العبادات مع الزمن أنواع ، فمن العبادات ما هو فريضة العام كصوم شهر رمضان ، ومنها ما هو فريضة الأسبوع كفريضة الجمعة ، ومنها ما هو فريضة اليوم ، وهي الصلوات الخمس ، ومنها ما هو فريضة العمر ، وهو الحج فلا يجب في العمر كله إلا مرة واحدة . وقد يحاول الإنسان أن يبحث: لِمَ فُرض الحج مرة واحدة في العمر ؛ أهو من أجل التيسير ؟ قد يكون .. لكن المؤكد أن الحج قد اشتمل على دروس كثيرة وتعاليم جليلة ، لو فقهها المسلم وعمل بها لأغنته ، فلم يحتج إلى الحج مرة أخرى ؛ إذ كانت الأولى تكفيه لو أداها كما يحب ربنا ويرضى ، ويبقى المسلم مندوبًا بعد ذلك إلى تكرار الحج مرة ومرات حتى تتأصل عنده تلك المعاني وغيرها مما اشتمل عليه الحج ؛ حتى تصير كالملكة للنفس ، فيفيض الله عليه من رحمته ويفتح عليه من كنوزه .
* ثانيًا: المقصود بالحج هو الله:
فالحج لُحْمَته وسُدَاه توحيد الله والإخلاص له ، وكذلك جاء التعبير في الحديث:
« مَنْ حجَّ لله » ، فهو يحج لله شاهدًا بذلك على توحيده ، والتوحيد في هذه العبادة ملحوظ في ابتداء فرضه ، كما هو ملحوظ في أدائه عملًا من بدايته إلى نهايته . قال الله تعالى: { وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ } ( الحج: 26 ) .
قال القرطبي - رحمه الله -: « وفي الآية طعن على مَنْ أشرك من قُطَّان البيت ؛ أي هذا كان الشرط على أبيكم فمَنْ بعده وأنتم ، فلم تفوا بل أشركتم » [23] ، والمشركون ممنوعون من قربان البيت الحرام ؛ لقوله تعالى: { إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } ( التوبة: 28 ) .
وبالتوحيد يبدأ الحاج نسكه ، فيقول ملبيًا: « لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك » .