تحدث الكاتب في الحلقة الأولى عن المعالم التي قادت المسلمين إلى حفظ السنة في صدر الإسلام، ثم جهود الخلفاء (الأئمة) وكذلك الصحابة الأعلام (رضي الله عنهم) . ويواصل الأخ الكاتب في هذه الحلقة بيان جهود الأئمة من السلف ومن بعدهم.
ثانيًا: جهود السلف في حفظ السنة وضبطها:
بذل أئمة الإسلام جهودًا عظيمة في حفظ السنة وتنقيحها، وحمايتها من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وقد تمثلت جهودهم في مسائل عديدة، أذكر منها:
1 -حفظ السنّة:
اهتم السلف الصالح بحفظ حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وإتقانه، وجعلوا ذلك شرطًا من شروط الرواية، حتى قال عبد الرحمن بن مهدي: (يحرم على الرجل أن يروي حديثًا في أمر الدين حتى يتقنه ويحفظه كالآية من القرآن، وكاسم الرجل) (1) .
وقد سطر أئمة الحديث أروع الأمثلة في هذا الباب، وأتوا بما يبهر الإنسان ويعجزه، ومن علامات ذلك:
(1) غزارة الحفظ:
تميّز بعض الأئمة بكثرة محفوظاتهم وتنوعها، وهناك أمثلة كثيرة جدًا على ذلك، وقد جمع الذهبي تراجم هؤلاء الحفاظ في كتابيه: (سير أعلام النبلاء) و (تذكرة الحفاظ) وذكر عجائب من علومهم وأحوالهم، ومن أمثلة هذا الباب:
المثال الأول: حفظ الإمام أحمد:
كان الإمام أحمد واسع الحفظ، جمع حديثًا كثيرًا، حتى قال أبو زرعة: (كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل: ما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذتُ عليه الأبواب) (2) .
المثال الثاني: حفظ الإمام إسحاق بن راهويه:
قال أبو داود الخفّاف: (سمعت إسحاق بن راهويه يقول: لكأني أنظر إلى مئة ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألفًا أسردها) . قال: (وأملى علينا إسحاق أحد عشر ألف حديث من حفظه، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفًا، ولا نقص حرفًا) (3) .
وقال علي بن خشرم: (كان إسحاق بن راهويه يملي سبعين ألف حديث حفظًا) (4) .
المثال الثالث: حفظ الإمام عبد الرحمن بن مهدي: