رابعًا: دقة الصحابة (رضي الله عنهم) في الرواية:
كان الصحابة (رضي الله عنهم) يتحرون الدقة في روايتهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويتورعون في ذلك أشد التورع؛ فها هو ذا عبد الله بن عمر يسمع عبيد بن عمير يحدث بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين) ، فقال ابن عمر: ويلكم، لا تكذبوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إنما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين) (28) .
ولهذا قال محمد بن علي: (كان ابن عمر إذا سمع الحديث لم يزد فيه، ولم ينقص منه، ولم يجاوزه، ولم يقصر عنه) (29) .
وكان الأعمش يقول: (كان هذا العلم عند أقوام كان أحدهم لأن يخرّ من السماء أحب إليه من أن يزيد فيه واوًا أو ألفًا أو دالًا) (30) .
ومن كان من الصحابة يروي بالمعنى، فإنه يتحرى الدقة في ذلك، فعن عروة ابن الزبير قال: قالت لي عائشة (رضي الله عنها) : يا بني يبلغني أنك تكتب عني الحديث، ثم تعود فتكتبه، فقلت لها: أسمعه منك على شيء، ثم أعود فأسمعه على غيره، فقالت: هل تسمع في المعنى خلافًا؟ قلت: لا، قالت: لا بأس بذلك (31) .
خامسًا: تثبت الصحابة (رضي الله عنهم) في سماع الحديث:
إن للرواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شأنًا عظيمًا جدًّا، ولذا كان أصحابه يتثبتون عند السماع، ويتأكدون من صحة النقل، ونقل عنهم في ذلك أمثلة كثيرة، أذكر منها:
أ- تثبت أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) :
جاءت الجَدّة إلى أبي بكر (رضي الله عنه) تسأله عن ميراثها، فقال لها: ما لك في كتاب الله شيء، ولا علمت لك في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا، فقال المغيرة بن شعبة (رضي الله عنه) : حضرت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذ لها أبو بكر (32) .
ولهذا قال الذهبي في ترجمة أبي بكر الصديق: (وكان أول من احتاط في قبول الأخبار) (33) .
ب- تثبت عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) :