... ( ... ومن ذلك التحدث مع العوام با لا تفهمه ولا تعقل معناه، فإنه من باب وضع الحكمة في غير موضعها ، فسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها ، وهو الغالب. وهو فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق ، والعمل بالباطل وإما لا يفهم منها شيئا ، وهو أسلم، ولكن المتحدث لم يعط الحكمة حقها من الصون، بل صار في التحدث بها كالعابث بنعمة الله ... ) (1) .
انفضاض الناس
... إن الإكثار من الحديث ، وما قد يجره من ملل على السامع يجعل الناس تاركين للعلم وراءهم، وبالتالي يفقد العالم هيبته.
... والعلم كمعروض للتجارة ، تزداد الرغبة فيها عند القلة، وليس المقصود حجر الناس على العلم ، وإنما من أجل زيادة حرصهم عليه ، حتى لا يكون من كثرته وإشاعته تزيدها للناس فيه، وابتعادهم عنه ، وفي حكمة لقمان قوله:
( العالم الحكيم يدعو الناس إلى عمله بالصمت والوقار، وأن العالم الأخرق يطرد الناس عن عمله بالهذر والإكثار) (2) .
عدم التوازن بين العلم والعمل
... وليعلم أن عدم التوازن بين العلم والعمل مفسدة أيضًا ، وهي كنمو أحد جناحي الطائر ومضمور الجناح الآخر ، فيكون الصعود والتحليق أيذانا بالسقوط من مرتفع أعلى ، فيؤدي إلى احتمالية أكبر من أن يلقى حتفه ويتهشم ، وتدل تجارب الحكماء قديما وحديثا على كراهية عدم التوازن بين المنطق والعقل ، وقد قال - من قبل - سليمان بن عبد الملك:
... ( زيادة منطق على عقل خدفه ، وزيادة عقلً على منطق هجنه) -
... بل أن زيادة المنطق، وحلاوة اللسان ، وعبذوبه العلم نهايتهن مريعة إذا لم يزينها عقل ، وتحدها تجارب، ويدركها عقل وأعٍ يحدد مواقم الكلم، ومواطن اللفظ ، فيختار الحديث المناسب للمجالس المناسبة ، وينتقي أطايب الكلام على قدر الرجال .. وقد قال حكيم العرب الأحنف بن قيس - رحمه الله.
( حتف الرجل مخبوء تحت لسانه ) (3) .
(1) - عبون الأخبار 2/122.
(2) - عيون الأخبار 2/122.
(3) - عيون الأخبار 1/330/331.