... وقد يصح - في رأي أخر - أن نستقبل هذه الظاهرة بنوع من التخوف والحذر، فلا نتكلم بأصول وموازين، وغير ذلك من كبار العلماء في المجالات العامة ، خوفًا أن نفسد فطرة المبتدئين ، ونساعد على تأسيس الفضول ، فنكون السبب في إتلاف كثير من شباب الدعوة من حيث لا نشعر، وتكون هذه العناصر ضحية خطأ تربوي يرتكبه القادة والمفكرون بتحديثهم هؤلاء أحاديث لا تبلغها عقولهم، فتكون فتنة لهم.
... ولكل من الرأيين وجاهته وحيثياته المقنعة ويبدو - والله أعلم - أن القول النسبي في ذلك أصح، بحيث نلجأ إلى احد الرأيين حسب الظروف المحيطة بالدعوة ، إن كانت شديدة ذات محن، أو أوقات يسر، وبحسب سعة الجيل السامع الجيد، إن كان ضخما يحتمل النحت منه من أجل انتقاء الأشداء الأذكياء، مثل جيل الصحوة الحاضر ، أم هو جيل محدودة تحتاج حتى أصحاب النقص من أبنائه، وأيضا بحسب المجموعة القيادية، إن كانت كبيرة ومتحدة ومنسجمة الفكر، أم هي صغيرة وتعيش حالة تباين في الاجتهاد، وعندئذ نحذر أن يستقوي أصحاب أحد الاجتهادات بشباب جدد يلفونهم لفًا من حيث لا يدركون ، فيكون سواد واسع يؤيد اجتهادهم في الظاهر ، بينما هو في الحقيقة سراب فكري وتخطيطي لا يستند إلى أركان متينة ولا صورة واقعية ، لبدائية مؤيدي هذا الاجتهاد وكونهم مجرد مقلدين.
... والتأمل الطويل في أوصاف المرحلة الدعوية الراهنة تجعلنا نميل إلى تفضيل الرأي الأول الذي نتكلم فيه بكبار العلم حتى ولو كان ذلك في المؤتمرات والصحف والكتب المنشورة، مع ما يخالط ذلك من سلبيات أكيدة، إذ أن نظرة الترجيح بين المصالح والمفاسد تجوز لنا ذلك من حيث المبدأ، ولا تشترط لتصرفاتنا أن تكون مجموعة مصالح محضة، وإنما نعمل بالمصالحة الراجحة وإن مزاجها شيء من المضرة أقل منها، ففتنة الفضوليين حاصلة بشكل أكيد، ولكن تربية جيل جديد بأفق واسع وعلى سنن الإبداع والفهم الحضاري تشكل مصلحة أكبر.