... ومما يتفرع عن ذلك كراهية التقعر في الكلام، والبعد عن بسيط القول والسهل المفهوم من الكلام ، والأجدي اختيار أقصر الطرق ، وأسهل الأساليب التي يفهمها المخاطب، ويدرك كنهها ، دون أن يؤدي به ذلك إلى عدم الفهم ، أو تحميل المعاني غير ما تحتمل.
(6) المرونة في الأخذ والعطاء:
... فمهما بلغ العالم من العلم فأنه لا يستطيع إدراك كل أمر، فما أكثر ما سقط جهابذه العلماء في نسيان أمر بسيط ، وقد قال عمر رضي الله عنه: لا أعلم ما الأب ؟ لما قرأ ( وفاكهة وأبا) ، وأنكرت عائشة رضي الله عنها روايات بعض الصحابة، كما أنها نفسها استدركت على كثير من الصحابة أخطاءهم ، وكأنه سر من أسرار الله تعالى ليثبت العصمة فقط لانبيائه، ولكي يظل العلم أخذًا وعطاء ، ولا بد فيه من التدريس لأجل التعلم ، كما أنه لا بد من طلب السؤال والاستيضاح كي يتبين الخلل ، ويسد النقص، ويدفع غرور المتحدث ، ويشارك الآخرين بالرأي.
... ( بلسان سؤال ، وقل عقول ، وكنت إذا لقيتُ عالمًا أخذت منه وأعطيته) (1) .
(7) التدرج:
... وهذا يقتضي الترتيب بين أجزاء الفن الواحد من العلم، أو بين الفنون المختلفة من العلم ، والقفز دون مراعاة الترتيب يضيع العلم، ويبعثر الجهد، وليكن القصد تحري الترقي باستمرار.
... ( فإن العلوم مرتبة ترتيبا ضروريًا ، وبعضها طريق إلى بعض، والموفق من راعي ذلك الترتيب والتدريج) (2) .
... وهنا موازنة لا بدمن ذكرها ، وهي أن لا يعكف المتعلم على إتقان فن من فنون العلم بحيث يحيط بكل جوانبه ومسائله وفروعه ، فإن العمر لا يتسع لكل ذلك ، بل أن العمر لا يكفي أحيانا لاستجماع علم واحد فقط، ولكن المقصود أخذ قواعد كل فن، وأحسن ما فيه. ومناهجه العامة، حتى لا يضيع غيره ، ولذلك قيل في وصايا المتعلم.
(1) - عيون الأخبار 2/118.
(2) - إحياء علوم الدين 1/52.