... وبها الميزان تصبح كل هذه العلوم من صغار العلم مقارنة بعلوم الشرعية القطعية التي يجب تقديمها، وذلك:
( إن الحق الذي لا باطل فيه هو ما جاءت به الرسل عن الله ، وذلك في حقنا ، ويعرف بالكتاب والسنة والإجماع ، وأما ما لتجي به الرسل عن الله ، أو جاءت به ولكن ليس لنا طريق موصلة إلى العلم به ففيه ، الحق والباطل ، فلهذا كانت الحجة الواجبة الاتباع: للكتاب والسنة والإجماع ، فإن هذا حق لا باطل فيه ، وأجب الاتباع لا يجوز تركه بحال.. ) (1) .
... بل وحتى العلوم الشرعية لها منازل ومراتب ، ولا ينتقل من علم إلى آخر إلا باستكماله ، فقد قال أحدهما لمؤدب ولده:
... ( لا تخرجهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإن اصطكاك العلم في السمع وازدحامه في الوهم: مضلة للفهم) (2) .
(4) صلب العلم قبل ملحة:
... فكل علم أو فن له صلب ، وله ملح، ويتميز أحدهما. عن الآخر بأن صلب العلم يمتاز بثلاثة خصائص:
الأولى: هي العموم والاطراد .
الثانية: هي الثبوت في غير زوال.
والثالثة: كون العلم حاكمًا لا محكومًا عليه ، بمعنى كونه مفيدًا لعمل يترتب عليه ما يليق به.
... ( والقسم الأول هو الأصل والمعتمد والذي عليه مدار الطلب، وإليه تنتهي مقاصد الراسخين ، وذلك ما كان قطعيا أو راجعًا إلى اصل قطعي، والشريعة المباركة المحمدية منزلة على هذا الوجه، ولذلك كانت محفوظة في أصولها وفروعها.. وأيضا فإن الكليات العقلية مقتبسة من الوجود. وهي أمر وضعي لا عقي ، فاستوت مع الكليات الشريعة بهذا الاعتبار ، وارتفع الفرق بينهما.. ) (3) .
(1) - فتاوي ابن تيمية 19/5.
(2) - عيون الأخبار 2/167.
(3) - الموافقات للشاطبي 1/77، ويعني باقتباسها من الوجود ، أنها من حقائق الحياة وظواهرها العامة المطردة التي تعرف بالاستقراء ، والتجربة وليس بالتأمل فقط.