... وتطبيقا لها المبدأ فإن تعلم العقيدة قبل الفقه لا بد منه ، وأصول الشريعة كالقرآن والحديث، قبل فروع خلاف والتوسع الفقهي، كما أن القاعدة تنطبق في الفن الواحد ، فقراءة القرآن وتلاوته قبل معرفة تفسيره، وتفسيره العام قبل الغوص بدقائقه، والغوص بدقائقه النافعة قبل الخوض بالمتشابهات، أما في الحديث فمعرفة الصحيح قبل الحسن ، والحسن قبل الخوض بمعرفة الضعيف ، ومعرفة متون الأحاديث الصحيحة والإطلاع على شروح البخاري ومسلم أولى من الانشغال بطرق الجرح والتعديل، وتخريج الاسانيد ، وتعلم الفروض في الفقه أولى من دراسة السنن، وأبواب الصلاة والزكاة مقدمة على معرفة الوكالة والشركة.
... ويتبقى على الداعية معرفة أن ما تسلم به العقيدة ، وتصح به العبادة، وقواعد الدعوة إلى الله تعالى، مقدم على الثقافة العامة وحديث السياسة ، ولا بد كذلك من التذكير أن بعض هذه العلوم قد تتغير أفضليتها من شخص لآخر، أو في زمان دون غيره ، فالداعية التأجر يكون تعلم الزكاة وقواعدها أوجب عليه من غيره ، وتعلم قواعد الجهاد لداعية يمارسه مقدم على علوم أخرى، وتعلم الداعية الرد على الشيوعية في بلاد تناطح الشيوعية فيها الحركة الإسلامية مقدم على غيرها، بينما تكون دراسة الشيوعية في مكان آخر من الترف الفكري ، وهكذا.
(3) العلوم الشريعة بالنسبة لغيرها من كبار العلم:
... وما عدا علوم الشرع فهي من صغرها، فما كان من الكتاب والسنة والإجماع فهو علم مقطوع به أنه من الحق ، وهو الذي عليه الثواب والعقاب، وهو ما أراد الله تبليغه لعباده، وأرسل لأجل هذا التبليغ رسوله به، وأنزل كتابه ، وفي مقابل ذلك علوم مختلفة مما في أيدي أهل الكتاب ، وما قاله أكابر هذه الأمة ، علماؤها وأمراؤها ، وكذلك تتضمن الأقيسة العقلية الشرعية، وما ينقدح في عقول البشر. كل فيه الحق والباطل ، فلا يرد كله ولا يقبل كله، بل يقبل منه ما وافق الحق ، ويرد منه ما فيه من الباطل.