... كان ساحة الجهاد الأفغاني هي أمثل الساحات وأرقاها في تحصيل هذه المعاني، لكنها ليست الساحة الوحيدة، وإنما هناك ساحات عديدة تتاوت في درجة حيويتها وتأثيرها في الزائر، مثل مجاهل إفريقيا السوداء جيث التنافس على أشده بين الجهود الإسلامية وسطوة التبشير النصراني، ومثل أجواء ثورة المسلمين في الفليبين ، وثورة أرتيريا ، والصراع في لبنان، وفي البوسنة والهرسك، ومناظر الجوع في بنغلاديش ، ومدارس تحفيظ القرآن الكريم في تركيا، كذلك تعتبر ذورة المواسم الانتخابية البرلمانية في كل بلد ساحة مليئة بالدروس العملية إذا نزلها الدعاة، مثل الانتخابات بمصر والسودان واليمن والجزائر والأردن والكويت وباكستان، وكذلك التنافس الإسلامي العلماني في كردستان.
... وماذا على الرائد لو توسع في هذا الباب فزار بلدًا مجهولًا ودرسه ميدانيا ورأى وشفاه ثم قدم تقريرا تفصيليا حوله أو نشر كتابا عنه؟ كان يزور مسلمي الصين ،أو الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفيتي وقد أصبح الطريق سالكًا، أو الجاليات الإسلامية في نيبال وتايلاند وأميركا الجنوبية ، فمثل هذه المعاينة الميدانية تمده بخبرة حياتية وصداقات وعلاقات، وتقوى شخصيته ، وتزوده بمادة للحديث وشواهد للتمثيل ، وبها يتدرب على البحث والكتابة والاستفادة من الوثائق ، في فوائد أخرى لن يذوقها إلا من يحر ويختلط ، والقابع المؤثر لليوميات المتكررة مع زوجة وبنيه وأصحابه محروم منها ، وبحق كان هذا الحرمان.
... إن جانب الإبداع والمبادرة ضعيف فينا جدًا، ولا بد من تنميته وإذكاء المحفزات الداخلية يمثل هذا النزول إلى الساحات وقذف النفس في المعمة لنتعلم من خلال الورطة شيئا ما. ...