قلت: إن أراد أبو السعود بقوله:"وأما أمراء الجور فبمعزل عن استحقاق العطف على الله تعالى، والرسول عليه الصلاة والسلام في وجوب الطاعة لهم"، أن أمراء الجور لا يطاعون في معصية الله، فمسلم، وإن أراد أنهم لا يستحقون الطاعة، وإن أمروا بما لا معصية فيه لله، فهو مخالف لما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أمره بطاعة أمراء الجور فيما ليس فيه معصية، ونهيه عن الخروج عليهم، ما لم يأتوا كفرًا بواحًا.
فقد روى عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، قال: (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم من الله فيه برهان) [البخاري رقم (6647) ومسلم، رقم (1709) ]
والكفر البواح، هو الظاهر البادي الذي لا يخفى في شرع الله، قال الحافظ ابن حجر:"يريد ظاهرا باديا من قولهم باح بالشيء يبوح به بوحا و بواحا إذا أذاعه وأظهره"
وروت أم سلمة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع) قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: ( لا، ما صلوا) . وفي حديث عوف بن مالك رضي الله عنه: ( وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه، فاكرهوا ولا تنزعوا يدًا من طاعة) . صحيح مسلم (3/148(ـ 1481) .
وفي مسألة الخروج على الأئمة الجائرين، الذين لم يأتوا كفرا بواحا، خلاف بين العلماء، والذي يظهر أن الأمر يتعلق بالمصالح والمفاسد.