فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 68

جاء عيد الحب في موعده، وحين علم بهذا الخبر تساءل: من أين يصدرون إلينا هذه الأعياد، ونحن نقلدهم كالببغاوات؟ حتى الحب أصبح له عيد؟! إن قلبه يعمر بالحب منذ سنين لم يخبُ أو ينطفىء لحظة واحدة. وقرر أن يدير لهذا العيد ظهره، وكأنه لم يكن!

منذ الصباح اشترى زهرة حمراء متفتحة. وأخذ يطوف في شوارع المدينة الطويلة، ليقدّمها لمن تبتسم في وجهه. طال طوافه، وتعبت قدماه، ومالت الشمس إلى المغيب، ولم يعثر على ضالته المنشودة. وبدأت الزهرة تذبل بين أصابعه. ورأى نفسه يتجرأ، ويوقف فتاة مستعجلة، ويدسّ الزهرة الحمراء في يدها قائلًا:

-كل عام وأنت بخير!

وأخذ يراقبها وهي تحمل كنزه. وماإن ابتعدت حتى رآها تميل عن خط سيرها، وتلقي بزهرته في وعاء القمامة، ثم تختفي في الزحام!

منذ الصباح قطفت الوردة الحمراء الوحيدة، التي تفتحت على الرغم من البرد والمطر، انتظارًا لمن يطرق بابها، لتقدمها إليه. لقد انتظرت هذا الطارق سنوات وسنوات، ولم يأت. ولكن الأمل، اليوم، يراودها بقوّة. وانتظرت تطوي الثواني والدقائق والساعات. وسقط المساء، ولم يأت أحد، حملت الوردة الحمراء، وتقدمت إلى المرآة، وتأملت صورتها طويلًا وقالت:

-لاأحد سواك أنتِ يستحق هذه الوردة! كل عام وأنت بخير!

بقيت الأم تنتظر عودة أولادها واحدًا واحدًا! لعلّ أحدهم يتذكّر، ويحمل لها زهرة حمراء. وهاقد حلّ المساء، وعادوا جميعًا. ومامن زهرة واحدة. فطوت انتظارها ولهفتها، وقامت تحضر لهم طعام العشاء!

ناو لها الزهرة الحمراء الأخيرة من الباقة التي وزّعها، منذ الصباح، على من يحب، وهو يطوف عليهن واحدة واحدة. وقال لها، بصوتٍ حاول أن يلوّنه بمشاعر حقيقية: كل عام وأنت بخير.. يا حبي الوحيد!

جاءها الموت على حين غرّة، في يوم عيد الحب، وحين دفنت وانفض عنها المشيعون، وجدت نفسها وحيدة. وسرعان ماتوافد على قبرها المحبون واحدًا واحدًا، وفي يد كل منهم باقة حمراء. وفي صباح اليوم التالي فوجىء زوّار المقبرة الواسعة بقبرها أحمر من الرأس إلى القدمين. فأخذتهم الدهشة، ولم يصلوا إلى تفسير مقنع لهذه الظاهرة الخارقة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت