فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 27

لذلك ترى الفرق الكبير بين المؤمن وغيره، المؤمن حقا هو الذي يتمنى بقاء هذا الشهر، وأن تطول أيامه، كما رُوي في الحديث: لو تعلم أمتي ما في رمضان لتمنت أن تكون السنة كلها رمضان [1] .

فانظر وفرّق: هناك قوم من السلف الصالح، ومن أولياء الله وأصفيائه سَنَتُهم كلها رمضان؛ حتى قال بعضهم:

وقد صمتُ عن لذات دهري كلها * * * ويوم لقاكم ذاك فِطر صيامي

وكان بعضهم يصوم، ويكثر من الصوم، ولا يفطر إلا مع المساكين، وإذا منعه أهله أن يفطر مع المساكين لم يتعش تلك الليلة!

وكان بعضهم يطعم أصحابه أنواع الأطعمة ويقف يروحهم وهو صائم.

فهؤلاء هم الذين يتمنون أن يطول وقت الصوم، وما يزيدهم رمضان إلا اجتهادا في الطاعة والعبادة عما كانوا عليه في رجب، وفي شعبان وما بعده وفي سائر السنة، فأعمالهم كلها متقاربة.

أما من لم تصل حقيقة هذا الصوم إلى نفوسهم، ولم تتأثر به قلوبهم، ولم يتربوا التربية السليمة؛ فإنهم يستثقلونه، ويتمنون انقضاءه في أسرع وقت، وأن تنتهي أيامه، ويفرحون بكل يوم يقطعونه منه، فما هكذا الصوم الصحيح! بل الصائم المؤمن التقي هو الذي يتمنى بقاء هذه الأيام، فكثيرًا ما نسمع من بعض ضعفاء النفوس أنه يتمنى أن يذهب رمضان، وإذا ما هلّ هلال شوال فرحوا واستبشروا، كأنهم ألقوا عنهم ثقلا!!

ومعلوم أنهم قد فارقوا مواسم الخير، فارقوا الأوقات الشريفة، فارقوا هذه الأيام الغر، وهذه الليالي الزُّهر التي تفتح فيها أبواب الجنان وتغلق فيها أبواب النيران، وتُصفّد فيها الشياطين ومَرَدة الجن، وهي التي بشر الله فيها عباده بالخيرات والمسرات، وما علم هؤلاء الفارغون اللاهون أنَّهم يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.

فنحن نوصي إخواننا أن يقيسوا أنفسهم، وينظروا مدى تأثرهم بهذه العبادة، فإذا رأوا أن نفوسهم قد ألفتها، وقد أحبتها، وأنهم قد استفادوا منها فائدة مستمرة في ليلهم ونهارهم، وفي شهرهم وشهورهم، فإن ذلك دليل على حسن آثاره على هذا العبد، وإذا لم يتأثروا، بل رجعوا بعد رمضان إلى تفريطهم وإهمالهم!! رجعوا إلى المعاصي والذنوب التي كانوا يقترفونها قبل رمضان؛ فإن هؤلاء لم يستفيدوا من صيامهم، ويوشك أن يكون صومهم مردودًا عليهم.

(1) أخرجه ابن خزيمة، برقم 1886 وذكره ابن الجوزي في الموضوعات 2 - 188، 189، وفيه جرير بن أيوب البجلي، وذكره ابن حجر في لسان الميزان (2 - 101) ، وقال: مشهور بالضعف، ثم نقل عن أبي نعيم فيه: كان يضع الحديث، وعن البخاري قوله: منكر الحديث، وعن النسائي: متروك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت