الإنسان إلى الحيوان والطير والنبات والزرع والشجر والمال والجماد، أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: {إن هذا البلد! حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُسفك فيه دم، ولا يُعضد فيه شوك، ولا يُنفَّر فيه صيد، ولا يختلى خلاه، ولا تلتقط لقطته إلا لمن عرّفها } .
كما جعل المولى -جل وعلا- قصد هذه البقعة المباركة؛ مكفرًا للذنوب، ماحيًا للأوزار، حاطًا للخطايا، بل لم يرضَ لقاصده ثوابًا دون الجنة، فلو لم يكن هذا البلد الأمين خير البلاد وأحبها إلى الله لما جعلها مناسك لعباده، وفرض عليهم قصدها، وجعل ذلك ركنًا من أركان الإسلام، وأقسم به جل وعلا في موضعين من كتابه الكريم، في سورتي البلد والتين، وليس على وجه الأرض بقعة يجب على المستطيع السعي إليها والطواف بالبيت الذي فيها سواها، وجعل فيها من المقاصد والخصائص والمزايا الجم الوفير، فالصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما سواه، كما في المسند والنسائي وابن حبان بسند صحيح، وهي قبلة المسلمين، ومهوى الأفئدة، ومهبط الوحي، ومهد الرسالة، ومنبع النور، ومصدر إشعاع الهدى للبشرية قاطبة.
إخوة الإيمان! لقد جعل الله للناس منطقة أمان، ودار سلام، وواحة اطمئنان، تلكم هي هذه البقاع الطاهرة، يستوي في ذلك جميع عباد الله ممن تشرَّف بالإسلام: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ [الحج:25] .
ولقد كان النهج الأمني الذي شرعه الله في البيت الحرام سابقًا لكل محاولات البشر في إيجاد منطقة حرام يلقى فيها السلاح، ويأمن فيها المتخاصمون، وتُحقن فيها الدماء، ويجد كل مسلم فيها مأواه.
وإذا كان الإسلام يُقرر أن هذا البلد واحة سلام، ومنطقة أمن وأمان، فإنه يُهدد ويتوعد كل من يريد اعوجاجًا عن هذا النهج المستقيم بالعذاب الأليم، فرتب العقاب على الهم والإرادة بالسيئة وإن لم تفعل، يقول تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25] فكيف بمن يريد ويفعل؟
إن في هذا التعبير البليغ زيادةٌ في التحذير ومبالغة في التوكيد.
ولقد ضرب السلف الصالح أروع الأمثلة في الأدب مع حرم الله عز وجل، يقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: [[كنا نعد لا والله وبلى والله من الإلحاد في الحرم ] ] وقال بعضهم:"إن احتكار الطعام وظلم الخادم إلحاد في الحرم".
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: [[لأن أُخطئ سبعين خطيئة بركبة، أحب إلي من أن أخطئ خطيئة واحدة في الحرم ] ].
أيها المسلمون! حقًا لقد ظهر سر تفضيل هذا المكان المبارك في انجذاب أفئدة المسلمين وهوي قلوبهم، وانعطاف نفوسهم ومحبتهم له، يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرًا.
لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها حتى يعود إليها الطرف مشتاقا
فلله كم لهذه البقعة المباركة من محب أنفق في حبها الأموال والأرواح، ورضي بمفارقة فلذات الأكباد، والأهل والأحباب والأوطان؟!