وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ} [الشورى: 53،52] .
وأما النظر في مسألة معينة وقضية معينة، لطلب حكمها والتصديق بالحق فيها، والعبد لا يعرف ما يدله على هذا أو هذا فمجرد هذا النظر لا يفيد بل قد يقع له تصديقات يحسبها حقًا وهي باطل، وذلك من إلقاء الشيطان، وقد يقع له تصديقات تكون حقًا، وذلك من إلقاء الملك.
وكذلك إذا كان النظر في الدليل الهادي وهو القرآن، فقد يضع الكلم مواضعه ويفهم مقصود الدليل فيهتدى بالقرآن، وقد لا يفهمه، أو يحرف الكلم عن مواضعه فيضل به، ويكون ذلك من الشيطان، كما قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} [الإسراء: 82] ، وقال: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ} [البقرة: 26] ، وقال: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 124، 125] ، وقال: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44] ، وقال: {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 138] .
فالناظر في الدليل بمنزلة المترائى للهلال قد يراه، وقد لا يراه لعشى في بصره، وكذلك أعمى القلب.
وأما الناظر في المسألة، فهذا يحتاج إلى شيئين: إلى أن يظفر بالدليل الهادي، وإلى أن يهتدي به وينتفع. فأمره الشرع بما يوجب أن ينزل على قلبه الأسباب الهادية، ويصرف عنه الأسباب المعوقة، وهو ذكر الله ـ تعالى ـ والغفلة عنه، فإن الشيطان وسواس خناس، فإذا ذكر العبد ربه خنس، وإذا غفل عن ذكر الله وسوس.
وذكر الله يعطي الإيمان وهو أصل الإيمان. والله ـ سبحانه ـ هو رب كل شىء ومليكه، وهو معلم كل علم وواهبه، فكما أن نفسه أصل لكل شىء موجود، فذكره، والعلم به أصل لكل علم، وذكره في القلب.
والقرآن يعطي العلم المفصل فيزيد الإيمان، كما قال جندب بن عبد الله البجلي وغيره من الصحابة: تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا إيمانًا. ولهذا كان أول ما أنزل الله على نبيه: اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق: 1] ، فأمره أن يقرأ باسم الله، فتضمن هذا الأمر بذكر الله، وما نزل من الحق، وقال: اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1ـ 5] .
فذكر ـ سبحانه ـ أنه خلق أكرم الأعيان الموجودة ـ عمومًا وخصوصًا ـ وهو الإنسان، وأنه المعلم للعلم ـ عمومًا وخصوصًا ـ للإنسان، وذكر التعليم بالقلم الذي هو آخر المراتب؛ ليستلزم تعليم القول وتعليم العلم الذي في القلب.
وحقيقة الأمر: أن العبد مفتقر إلى ما يسأله من العلم والهدى، طالب سائل، فبذكر الله والافتقار إليه يهديه الله ويدله، كما قال: (يا عبادي، كلكم ضَالٌّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم) ، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) .
ومما يوضح ذلك: أن الطالب للعلم بالنظر والاستدلال، والتفكر والتدبر، لا يحصل له ذلك إن لم ينظر في دليل يفيده العلم بالمدلول عليه، ومتى كان العلم مستفادًا بالنظر، فلا بد أن يكون عند