والشيطان وَسْواس خَنَّاس، إذا ذكر العبد ربه خنس، فإذا غفل عن ذكره وسوس؛ فلهذا كان ترك ذكر الله سببًا ومبدأ لنزول الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة في القلب، ومِنْ ذكر الله ـ تعالى ـ تلاوة كتابه وفهمه، ومذاكرة العلم، كما قال معاذ بن جبل: ومذاكرته تسبيح.
وقد تنازع أهل الكلام في حصول العلم في القلب عقب النظر في الدليل، فقال بعضهم: ذلك على سبيل التولد. وقال المنكرون للتولد: بل ذلك بفعل الله ـ تعالى. والنظر إما متضمن للعلم وإما موجب له، وهذا ينصره المنتسبون للسنة من المتكلمين ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وقالت المتفلسفة: بل ذلك يحصل بطريق الفيض من العقل الفعال عند استعداد النفس لقبول الفيض. وقد يزعمون أن العقل الفعال هو جبريل.
فأما قول القائلين: إن ذلك بفعل الله، فهو صحيح؛ بناء على أن الله هو معلم كل علم وخالق كل شىء، لكن هذا كلام مجمل ليس فيه بيان لنفس السبب الخاص، وأما قول القائلين بالتولد، فبعضه حق وبعضه باطل، فإن كان دعواهم أن العلم المتولد هو حاصل بمجرد قدرة العبد، فذلك باطل قطعًا، ولكن هو حاصل بأمرين: قدرة العبد، والسبب الآخر، كالقوة التي في السهم والقبول الذي في المحل، ولا ريب أن النظر هو بسبب، ولكن الشأن فيما به يتم حصول العلم.
وأما زعم المتفلسفة أنه بالعقل الفعال، فمن الخرافات التي لا دليل عليها، وأبطل من ذلك زعمهم أن ذلك هو جبريل، وزعمهم أن كل ما يحصل في عالم العناصر من الصور الجسمانية وكمالاتها، فهو من فيضه وبسببه، فهو من أبطل الباطل.
ولكن إضافتهم ذلك إلى أمور روحانية صحيح في الجملة؛ فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يدبر أمر السموات والأرض بملائكته التي هي السفراء في أمره، ولفظ [الملك] يدل على ذلك، وبذلك أخبرت الأنبياء، وقد شهد الكتاب والسنة من ذلك بما لا يتسع هذا الموضع لذكره، كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في ملائكة تخليق الجنين وغيره.
وأما تخصيص روح واحد متصل بفلك القمر، يكون هو رب هذا العالم، فهذا باطل، وليس هذا موضع استقصاء ذلك، ولكن لابد أن يُعْلم أن المبدأ في شعور النفس وحركتها هم الملائكة، أو الشياطين، فالملك يلقي التصديق بالحق والأمر بالخير، والشيطان يلقي التكذيب بالحق والأمر بالشر. والتصديق والتكذيب مقرونان بنظر الإنسان، كما أن الأمر والنهي مقرونان بإرادته.
فإذا كان النظر في دليل هاد ـ كالقرآن ـ وسلم من معارضات الشيطان تضمن ذلك النظر العلم والهدي؛ ولهذا أمر العبد بالاستعاذة من الشيطان الرجيم عند القراءة. وإذا كان النظر في دليل مضل والناظر يعتقد صحته، بأن تكون مقدمتاه أو إحداهما متضمنة للباطل، أو تكون المقدمات صحيحة لكن التأليف ليس بمستقيم، فإنه يصير في القلب بذلك اعتقاد فاسد، وهو غالب شبهات أهل الباطل المخالفين للكتاب والسنة من المتفلسفة والمتكلمين ونحوهم.
فإذا كان الناظر لابد له من منظور فيه، والنظر في نفس المتصور المطلوب حكمه لا يفيد علمًا، بل ربما خطر له بسبب ذلك النظر أنواع من الشبهات، يحسبها أدلة، لفرط تعطش القلب إلى معرفة حكم تلك المسألة وتصديق ذلك التصور.
وأما النظر المفيد للعلم، فهو ما كان في دليل هاد، والدليل الهادي ـ على العموم والإطلاق ـ هو [كتاب الله] ، و [سنة نبيه] فإن الذي جاءت به الشريعة من نوعي النظر، هو ما يفيد وينفع ويحصل الهدى، وهو بذكر الله وما نزل من الحق.
فإذا أراد النظر والاعتبار في الأدلة المطلقة من غير تعيين مطلوب، فذلك النظر في كتاب الله وتدبره، كما قال تعالى: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15،16] ،