الصفحة 18 من 148

واعتراض هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي شيء ولهذا أنشد الخطابي حجج تهافت كالزجاج تخالها حقا وكل كاسر مكسور فإذا كانت هذه حال حججهم فأي لغو باطل وحشو يكون أعظم من هذا وكيف يليق بمثل هؤلاء أن ينسبوا إلى الحشو أهل الحديث والسنة الذين هم أعظم الناس علما ويقينا وطمأنينة وسكينة وهم الذين يعلمون ويعلمون أنهم يعلمون وهم بالحق يوقنون لا يشكون ولا يمترون فأما ما أوتيه علماء أهل الحديث وخواصهم من اليقين والمعرفة والهدى فأمر يجل عن الوصف ولكن عند عوامهم من اليقين والعلم والنافع ما لم يحصل منه شيء لأئمة المتفلسفة المتكلمين وهذا ظاهر مشهود لكل أحد غاية ما يقوله أحدهم أنهم جزموا بغير دليل وصمموا بغير حجة وإنما معهم التقليد وهذا القدر قد يكون في كثير من العامة لكن جزم العلم غير جزم الهوى فالجازم بغير علم يجد من نفسه أنه غير عالم بما جزم به، والجازم بعلم يجد من نفسه أنه عالم اذ كون الإنسان عالما وغير عالم مثل كونه سامعًا ومبصرًا وغير سامع ومبصر فهو يعلم من نفسه ذلك مثل ما يعلم من نفسه كونه محبًا ومبغضًا ومريدًا وكارهًا ومسرورًا ومحزونًا ومنعمًا ومعذبًا وغير ذلك ومن شك في كونه يعلم مع كونه يعلم فهو بمنزلة من جزم بأنه علم وهو لا يعلم وذلك نظير من شك في كونه سمع ورأى أو جزم بأنه سمع ورأى ما لم يسمعه ويراه والغلط أو الكذب يعرض للإنسان في كل واحد من طرفي النفي والإثبات لكن هذا الغلط أو الكذب العارض لا يمنع أن يكون الإنسان جازمًا بما لا يشك فيه من ذلك كما يجزم بما يجده من الطعوم والأراييح وإن كان قد يعرض له من الانحراف ما يجد به الحلو مرا فالأسباب العارضة لغلط الحس والباطن أو الظاهر والعقل بمنزلة المرض العارض لحركة البدن والنفس والأصل هو الصحة في الإدراك وفي الحركة فإن الله خلق عباده على الفطرة وهذه الأمور يعلم الغلط فيها بأسبابها الخاصة كالمرة الصفراء العارضة للطعم وكالحول في العين ونحو ذلك وإلا فمن حاسب نفسه على ما يجزم به وجد أكثر الناس الذين يجزمون بما لا يجزم به إنما جزمهم لنوع من الهوى كما قال تعالى وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم وقال ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ولهذا تجد اليهود يصممون ويصرون على باطلهم لما في نفوسهم من الكبر والحسد والقسوة وغير ذلك من الأهواء وأما النصارى فأعظم ضلالا منهم وإن كانوا في العادة والأخلاق أقل منهم شرا فليسوا جازمين بغالب ضلالهم بل عند الاعتبار تجد من ترك الهوى من الطائفتين ونظر نوع نظر تبين له الإسلام حقا والمقصود هنا أن معرفة الإنسان بكونه يعلم أو لا يعلم مرجعه إلى وجود نفسه عالمة ولهذا لا نحتج على منكر العلم إلا بوجودنا نفوسنا عالمة كما احتجوا على منكري الأخبار المتواترة بأنا نجد نفوسنا عالمة بذلك وجازمة به كعلمنا وجزمنا بما أحسسناه وجعل المحققون وجود العلم بخبر من الأخبار هو الضابط في حصول التواتر إذ لم يحدوه بعدد ولا صفة بل متى حصل العلم كان هو المعتبر والإنسان يجد نفسه عالمة وهذا حق فإنه لا يجوز أن يستدل الإنسان على كونه عالما بدليل فإن علمه بمقدمات ذلك الدليل يحتاج إلى أن يجد نفسه عالمة بها فلو احتاج علمه بكونه عالما إلى دليل أفضى إلى الدور أو التسلسل ولهذا لا يحس الإنسان بوجود العلم عند وجود سببه إن كان بديهيا أو إن كان نظريا إذا علم المقدمتين وبهذا استدل على منكري إفادة النظر العلم وإن كان في هذه المسألة تفصيل ليس هذا موضعه فالغرض أن من نظر في دليل يفيد العلم وجد نفسه عالمة عند علمه بذلك الدليل كما يجد نفسه سامعة رائية عند الاستماع للصوت والترائي للشمس أو الهلال أو غير ذلك والعلم يحصل في النفس كما تحصل سائر الإدراكات والحركات بما يجعله الله من الأسباب وعامة ذلك بملائكة الله تعالى فإن الله سبحانه ينزل بها على قلوب عباده من العلم والقوة وغير ذلك ما يشاء ولهذا قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (لحسان اللهم أيده بروح القدس) وقال تعالى: أُولَئِكَ كَتَبَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت