إذا عرف هذا فقد قال الله تعالى عن أتباع الأئمة من أهل الملل المخالفين للرسل {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} [غافر: من الآية83] وقال تعالى: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا} [الأحزاب: 66] إلى قوله: {وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [الأحزاب: من الآية68] ومثل هذا في القرآن كثير؛ وإذا كانت سعادة الدنيا والآخرة هي باتباع المرسلين، فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك هم أعلمهم بآثار المرسلين وأتبعهم؛ لذلك فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم المتبعون لها هم أهل السعادة في كل زمان ومكان، وهم الطائفة الناجية من أهل كل ملة، وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة، فإنهم يشاركون سائر الأمة فيما عندهم من أمور الرسالة؛ ويمتازون عنهم بما اختصوا به من العلم الموروث عن الرسول مما يجهله غيرهم أو يكذب به والرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ عليهم البلاغ المبين، وقد بلغوا البلاغ المبين وخاتم الرسل محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنزل الله كتابه مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فهو الأمين على جميع الكتب؛ وقد بلغ أبين البلاغ وأتمه وأكمله، وكان أنصح الخلق لعباد الله، وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيمًا بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين فأسعد الخلق وأعظمهم نعيما وأعلاهم درجة أعظمهم اتباعا وموافقة له علما وعملًا.
وأما غير اتباعه من أهل الكلام؛ فالكلام في أقيستهم التي هي حججهم وبراهينهم على معارفهم وعلومهم وهذا يدخل فيه كل من خالف شيئا من السنة والحديث من المتكلمين والفلاسفة فالكلام في هذا المقام واسع لا ينضبط هنا، لكن المعلوم من حيث الجملة أن الفلاسفة والمتكلمين من أعظم بني آدم حشوا وقولا للباطل وتكذيبا للحق في مسائلهم ودلائلهم لا يكاد ـ والله أعلم ـ تخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك وأذكر أني قلت مرة لبعض من كان ينتصر لهم من المشغوفين بهم وأنا إذ ذاك صغير قريب العهد من الإحتلام كل ما يقوله هؤلاء ففيه باطل إما في الدلائل وإما في المسائل، إما أن يقولوا مسألة تكون حقا لكن يقيمون عليها أدلة ضعيفة؛ وإما
أن تكون المسألة باطلًا فأخذ ذلك المشغوف بهم يعظمها؛ وذكر مسألة التوحيد. فقلت التوحيد حق لكن اذكر ما شئت من أدلتهم التي تعرفها حتى أذكر لك ما فيه فذكر بعضها بحروفه حتى فهم الغلط وذهب إلى ابنه وكان أيضا من المتعصبين لهم فذكر ذلك له قال فأخذ يعظم ذلك علي فقلت أنا لا أشك في التوحيد ولكن أشك في هذا الدليل المعين ويدلك على ذلك أمور أحدها أنك تجدهم أعظم الناس شكا واضطرابا وأضعف الناس علما ويقينا وهذا أمر يجدونه في أنفسهم ويشهده الناس منهم وشواهد ذلك أعظم من أن تذكر هنا وإنما فضيلة أحدهم باقتداره على الاعتراض والقدح والجدل ومن المعلوم أن الاعتراض والقدح ليس بعلم ولا فيه منفعة وأحسن أحوال صاحبه أن يكون بمنزلة العامي وإنما العلم في جواب السؤال ولهذا تجد غالب حججهم تتكافأ إذ كل منهم يقدح في أدلة الآخر وقد قيل إن الأشعري مع أنه من أقربهم إلى السنة والحديث وأعلمهم بذلك صنف في آخر عمره كتابا في تكافؤ الأدلة يعني أدلة علم الكلام فإن ذلك هو صناعته التي يحسن الكلام فيها وما زال أئمتهم يخبرون بعدم الأدلة والهدى في طريقهم كما ذكرناه عن أبي حامد وغيره حتى قال أبو حامد الغزالي أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام وهذا أبو عبدالله الرازي من أعظم الناس في هذا الباب باب الحيرة والشك والاضطراب لكن هو مسرف في هذا الباب بحيث له نهمة في التشكيك دون التحقيق بخلاف غيره فإنه يحقق شيئا ويثبت على نوع من الحق لكن بعض الناس قد يثبت على باطل محض بل لا بد فيه من نوع من الحق وكان من فضلاء المتأخرين وأبرعهم في الفلسفة والكلام ابن واصل الحموي كان يقول أستلقي على قفاي وأضع الملحفة على نصف وجهي ثم أذكر المقالات وحجج هؤلاء وهؤلاء