فقد جعلَ اللهُ تباركَ وتعالى هذه الأمةَ وسطًا بينَ الأممِ في جميع أمورِ دينها بما هيأ لها من أسبابِ التوسطِ في ذلك بأنْ بعثَ فيها خيرةَ رسلهِ وأنزلَ إليها أفضلَ كتبهِ وأكملَ لها من أسبابِ التوسطِ والاعتدالِ ما يجعلُها على بصيرةٍ مِن أن يروجَ عليها ما راجَ على الأممِ السابقةِ: من الضلالاتِ، والانحرافاتِ، فالمسلمون وسطٌ بينَ الغالينَ والجافينَ، لم يغلُوا كما غلتِ النصارى الذين جعلوا المسيحَ ابنَ اللهِ، ولم يقَصروا كما قصّرتِ اليهودُ الذين قتلوا الأنبياءَ والرسلَ، بل قدّروا رسولَهم حقَّ قدرِه، وعظّموه حقَّ تعظيمه، بطاعتهِ فيما أمرَ، وتصديقهِ فيما أخبرَ، وتقديمِ محبتهِ على محبةِ النفسِ، والمالِ، والأهلِ، والولدِ، والسعيِ في إظهارِ دينهِ وإعلاء كلمتهِ ونصرِ ما جاءَ به وجهادِ مَنْ خالفه وتحكيمه وحده والتسليم لحكمه والرضا به إلى غير ذلك من أنواع التعظيم المشروع الذي فهمه سلف هذه الأمة وعملوا به فصدق عليهم التحقق بالوسطية التامة والخيرية الكاملة. ثم بعد أن فتح الله تعالى البلاد وانتشر فيها الإسلام ودخل فيه من أهلها من كان متأثرًا بمعتقدات تلك البلاد أو دخل بنية التضليل والإفساد فسَرَتْ نتيجة لذلك عدوى الأمم السابقةِ إلى هذه الأمة من الغلو في أنبيائها والتقصير في حقوقهم مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: {لتتبعنَّ سننَ مَنْ كان قبلَكم شبرًا بشبرٍ ذراعًا بذراعٍ حتى لو دخلوا جحرَ ضبٍّ لاتبعتموهم. قلنا: يا رسول اللهِ اليهودَ والنصارى؟ قال: فَمَن؟} (1) . قوله صلى الله عليه وسلم: (فَمَنْ) استفهامٌ استنكاريّ والتقديرُ: فَمَنْ هُمْ غيرُ أولئك (2) فنشأ من الغلوِ فيه صلى الله عليه وسلم ما أدّى إلى بخسِ حقوقه الواجبةِ له على أمتهِ والأذى
(1) خ: ك. الاعتصام، ب. قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) (13/305) مع الفتح؛ م: ك. العلم (16/219) مع النووي.
(2) فتح الباري (13/301) .