إن الدواب تذكر أوطانها فتنزع إليها ، وإن هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت عليه آباءهم ، والتمسوا الكرامة من غير وجهها ، أما أحبارهم فانكروا حقي وأما قراؤهم فعبدوا غيري ، و أما نساكهم فلم ينتفعوا بما علموا ، وأما ولاتهم فكذبوا علي وعلى رسلي ، خزنوا المكر في قلوبهم ، وعودوا الكذب ألسنتهم .
وإني أقسم بجلالي وعزتي لأهيجن عليهم صنوفًا من الناس ، لا يفقهون ألسنتهم ولا يعرفون وجوههم ، ولا يرحمون بكاءهم ، ولأبعثن فيهم ملكًا جبارًا قاسيًا له عساكر كقطع السحاب ومواكب كأمثل الفجاج ، كأن خفقان راياته طيران النسور وكأن حمل فرسانه كر العقبان ، يعيدون العمران خرابًا ، ويتركون القرى وحشة ، فياويل ( إيليا ) وسكانها كيف أذللهم للقتل ، وأسلط عليهم السباء ، وأعيد بعد جلب الأعراس صراخًا ، وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب ، وبعد شرفات القصور مساكن السباع ، وبعد ضوء السرج وهج العجاج ، وأبدلهم بالعز ذلًا ، وبالنعمة العبودية ، ولأبدلن نساءهم بعد الطبيب التراب ، وبالمشي على الزرابي الخبب ، ولأجعلن أجسادهم زبلًا للأرض ، وعظامهم ضاحية للشمس ، ولأدوسنهم بألوان العذاب ، ثم لآمرن السماء فتكون طبقًا من حديد ، والأرض سبيكة من نحاس ، فإن أمطرت لم تنبت الأرض وإن أنبتت شيئًا في خلال ذلك فبرحمتي للبهائم ، ثم أحبسه في زمان الزرع وأرسله في زمان الحصاد ، فإن زرعوا في خلال ذلك شيئًا ، سلطت عليه الآفة ، فإن خلص منه شيء نزعت من البركة ، فإن دعوني لم أجبهم ، وإن سألوا لم أعطهم ، وإن بكوا لم أرحمهم ، وإن تضرعوا صرفت وجهي عنهم"رواه ابن عساكر بهذا اللفظ ."