وإن من يمر بكثير من بلاد الدنيا ، ويعرج على المآثر والمتاحف ، فإنه سيجد التاريخ ينشر له صفحات من حياة تلك الأمم التي سكنت هذه الموقائع ، وما مر بها من محن ومصائب ، رغم أن كثيرًا من بعض كتب التاريخ لا يهتم بالجانب الديني ولا بالمؤثر العقدي ، وأثر ذلك في انقضاء حضارة ، وتصرم أجيال ، مع أن القرآن الكريم ، ومصدر التشريع في الإسلام هما كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قد جاء فيهما الشيء الكثير مما يحرك القلوب ، ويربطها بخالقها جل وعلا ، لكي تأخذ العبرة ، وتستفيد من وقائع الأحداث . ففي سورة الإسراء بيان عن فساد بني إسرائيل ، الذي كان من نتائجه تسليط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب ، ويشردهم في الديار ، وظهر أثر ذلك في دمار حاضرتهم: بيت المقدس ، ليكون من ذلك عظة وذكرى .
وما أكثر ما يجد الباحث في سجلات التاريخ أسماء مدن انمحى ذكرها بعد عز وطمس أثرها بعد شهرة ، وهذه من حكمة الله في مداولة الأيام بين الناس .
وابن كثير رحمه الله من أشهر مؤرخي الإسلام ، جمع في البداية والنهاية العبر والعظات من تاريخ الأولين والآخرين ، وقد أضفي من ثقافته الإسلامية ، ما يجعل القارئ يخرج من كل حدث بسبب ، ومن كل جولة بعظة ، ليرتبط له الواقع المحسوس ، بالمعتقد المؤصل .
ومن ذلك ما وثقه من أخبار عن خراب بيت المقدس وأسباب ذلك حيث بقيت مائة سنة موحشة مقفرة ، حتى أذن الله بعمرانها مرة أخرى . فقال في تفسيره وتاريخه عن وهب بن منبه بأن الله أوصي إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له ( إرميا ) حين ظهرت في بني إسرائيل المعاصي:"أن قم بين ظهراني قومك فأخبرهم أن لهم قلوبًا ولا يفقهون ، وأعينًا ولا يبصرون ، وآذانًا ولا يسمعون ، وأني تذكرت صلاح آبائهم فعطني ذلك على أبنائهم ، فسلهم كيف وجدوا غب طاعتي ؟ وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي ؟ وهل شقي أحد ممن أطاعني بطاعتي ؟"