عتبات السلاطين"المقدسة",
مساكين يا أيها العاديين ,
مساكين يا أيها الغافلين ,
مساكين يا زاهدين برضى الله وجناته ,
أتضحكون ؟ و والله وكأني أرى فوق رأس كل منكم تاريخ ولادته و وفاته , فعلمتم الأول , و جهلتم الثاني , فاحتفلتم بما علمتم و غفلتم عما جهلتم , ولو علمتم ما جهلتم , ما ضحكتم ..
أتفرحون؟ , و والله وأكني أرى الجنة و النار أمامي , وأرى معظم أهل الأرض يلقون في النار و القليل منهم يدخلون الجنة , فعجبي لمن يفرح لغير الجنة , و يحزن لغير النار ..
لا أفهمكم ولا تفهمونني , و لا ضير , فلست أخاف في حبي ملامة ...
لست أساوم على معشوقتي"الجهاد"..
هذا فراق بيني و بينكم ,
يا عاديين ...""
كان هذا هو ما يجول في خاطر جعفر و ينعكس على شكل همسات و تمتمات خفية تداعب شفتيه و هو ينظر في الحافلة يمينا و شمالا , مخفيا نظراته خلف عدسات نظارته المعتمة,
لكنه كان عاجزا عن مسح دموعه التي تتسلل بين الحينة و الأخرى ...شوقا لمعشوقته ,
نعم , فلقد تيقن جعفر أن"حب الجهاد"قد أمسى"عشقا"يشغل عقله و يسكن قلبه .
حرص جعفر عل صلاة العصر في مسجد الجامعة , الذي لم يدخله من قبل , فلقد كان يتكاسل عن صلاة الجماعة ,
اصطف في السطر الأول , و بقي معتكفا حتى إقامة الصلاة , و في الخروج , رأى زميله"محمد خير"يقضي ما فاته من الصلاة , ففرح فرحا شديدا , و تأمل أن يجد من يفهم رغبته , و الأهم من ذلك ,من يدله على طريق إلى أرض الخلود.
لقد كان"محمد خير"شابا دمثا ملتحيا , من الحركة"الإسلامية", و له نشاطات عديدة في مجلس طلبة الجامعة ,و يشارك في المهرجانات و الفعاليات"الإسلامية"وكان دوما ينصح جعفر بالإلتزام بالصلاة في المسجد , فيرد عليه جعفر ويقول: خيرا إن شاء الله , جزاك الله خيرا .
عندما أنهى"محمد خير"صلاته , و هم بالخروج من المسجد رأى صديقه جعفر ينتظره في آخر المسجد ,
تقابلت عيناهما من غير ميعاد , و تعانقت نظراتهما على استحياء , و تبادلا إبتسامات الإخاء ,
سلما على بعضهما و تعانقا عناقا حارا ,
قال محمد: الحمد لله الذي قر عيني برؤيتك في بيت الله ,
جعفر: الحمدلله على الهداية , نسأل الله القبول و الثبات...
محمد: آمين ..جميعا
جعفر: أخي الحبيب , هل لي من وقتك الثمين صدقة ؟
محمد: عيب يا أخي , كل وقتي هو لك .
جعفر: يا أخي الحبيب , هذه المقتلة التي يتعرض لها أهلنا في فلسطين و العراق و أفغانستان , إغتصاب الحرائر في أبي غريب , كل هذا و نحن في سبات عميق لا حياة و لا حراك ..
محمد: الله المستعان, صدقت ..
جعفر ( وقد تشجع كثيرا بعد سماع جواب محمد) : والله الذي رفع السماء بلاعمد أننا آثمون لجلوسنا , والله فالق الحب و النوى أننا آثمون لتخاذلنا , كيف نزهد بالجنة , كيف نزهد بالفردوس الأعلى , كيف نزهد بمغفرة الله عز ووجل , كيف تطيب حياتنا و كلاب الصليب ينهشون لحوم الموحدين ؟
لقد كان صوت جعفر يرتفع تدريجيا , و وجهه يحمر , و عيناه تصارعان الدموع , بينما بدأت إبتسامة"محمد خير"بالبرود لتترك مكانها لنظرات توجس و جمود , لقد تغير مناخ"محمد خير"و جعفر لا يلاحظ ذلك في خضم"إنفعاله"
تابع جعفر كلامه: اليس هو عقد بين العبد و ربه , أجاهد في سبيل الله فأقتل و انال رضوان ربي و جنته ؟ أليست المسألة بهذه البساطة ,اليست هي إحدى الحسنيين ؟ ابشرك يا أخي الحبيب محمد أنني عزمت على الذهاب إلى العراق للجهاد في سبيل الله عز وجل و أفوز بوعده لعباده و أتمنى منك إعانتي للذهاب أو إرشادي إلى ...
هنا قاطعه"محمد خير"وقال له كلمة واحدة , كانت كفيلة لصفع جعفر و إيقاظه من نوبة إنفعاله ,
محمد: و دراستك ؟
هنا استيقظ جعفر , و أفاق من نوبته ,
هنا علم أنه يتكلم إلى إنسان"عادي"من"عاديي المجتمع"....
صدم جعفر و ذهل , و شعر للحظة بغربة , و وحشة , مرت و كأنها قرونا طويلة ,
سكت لوهلة , ثم استجمع قواه , و عاد لحوار"محمد خير"
جعفر: أخي الحبيب أنا أتكلم عن الفردوس الأعلى و أنت تسألني عن دراستي ؟
محمد: الأمة تحتاج للمهندس الملتزم كما تحتاج للمجاهد ...و هناك الكثير لتعمله , هناك النشاطات الدعوية , و إنتخابات مجلس الطلبة التي اقتربت و نحن نعد لمهرجانات طلابية دعائية و نحتاج لجهودك معنا , و صدقني ستجد سعادة كبيرة و أنتم تقدم جهدك و وقتك في سبيل الله ,