خلال الأشهر الستة التي أمضيتها في المصح كانت القراءة تسليتي الوحيدة. فقد منعوني من الرسم لأن أدواته خطرة ويحظر وجودها بين أيدي ذوي الأعصاب المضطربة. لكن متعتي الكبرى كانت تلك الساعات الطويلة التي أمضيها في سلسلة من أحلام اليقظة. كنت خلال هذه الساعات أحقق بسهولة عجيبة ما لم أستطع تحقيقه طوال السنين العديدة التي انقضت من عمري. كانت هذه الأحلام هي بحر حياتي الواسع الذي تتخلله هنا وهناك جزر من اليقظة الجبرية. وكانت الجزر تزعجني وتنفرني وتقطع علي استرسالي، فكنت أحاول تقليل عددها ما أمكنني، كي أستطيع تحويل أحلام يقظتي إلى إحساس واقعي حقيقي. وكان هذا الإحساس (عند تمكني من بلوغه) يُشكّل حقًا أقصى درجات السعادة والنشوة التي كنت أحصل عليها. وعندما قرأت «الدكتور فوستوس» حسدته كثيرًا على مقدرته الهائلة التي حصل عليها بإبرام عقد مع الشيطان، ينال فيه قوة لامحدودة طوال أربع وعشرين سنة، ثم يهب نفسه في نهايتها للشيطان ذاته كي يصطحبه إلى الجحيم. لكنني تفوقت بعد ذلك على هذا «الفوستوس» التافه، الذي لم يحسن الاستفادة من هذه الفرصة النادرة. فقد منحت نفسي عددًا أكبر من السنين، وحققت ما لم يستطع هو تحقيقه: لقد دمرت أعدائي بلا رحمة، وحصلت بسهولة فائقة على كل متعي الحسية والروحية التي رغبت فيها.. وتحديت أصدقائي الخياليين الطيبين كافة، ابتداء من أفلاطون، مرورًا بتوماس مور، وانتهاء بويلز. فقد كانت أحلامهم، وخيالهم الذي أعقبها، محدودة إلى درجة متدنية جدًا. أردت أن أقدم خدمة أوسع نطاقًا وأعم فائدة للعالم مما قدموا. وفكرت.. يجب أن أخلص هذا العالم من الكابوس الذي يمتص دمه.. من الشبح الذي يمسح ألوان أحلامه. وقلت في نفسي: إن الولايات المتحدة هي المارد الذي يخيف أطفال العالم بسوطه الطويل اللاسع، إذًا علي أن أحولها إلى مسخ لا حول له ولا قوة..