كان الطبيب الذي استقبلنا، أنا وحارسي، من نوع يختلف كليًا عنهما. كانت له «ملامحه» الخاصة، المرنة، المدروسة بإتقان والتي يمكن التكيف بها حسب الحاجة. فقد منحني، كما اقتضت حالتي برأيه، نظرة حنان متواضعة التعالي، متفهمة، وطلب مني الجلوس برقة واضحة، أرفقها بتربيتة أبوية على كتفي ـ كان شابًا في الثلاثين ـ زيادة في محاولة منه لإقناعي وتطميني. وتوضحت الأمور أمام عيني بشكل جلي. إذًا فهم يظنونني ناقص العقل، أو بكلمة أخرى مضطرب الأعصاب... وكاد الشخصان في داخلي أن ينفصلا ثانية، لكنني تمكنت من كبح ذلك بمقدرة فائقة. كان الشخص الواعي بينهما يحاول الاستسلام للأمر الواقع، واعتبار وصولي إلى هذا المكان نتيجة منطقية طبيعية لما ارتكبه الشخص الآخر. لكن الآخر هذا كان يرفض تلك النتيجة، ويستغرب إحضاري إلى هنا. كان يعتبر أن المنطق يقتضي الالتجاء إلى الشرطة، لتعتقلني وتسجنني، وتطالبني بغرامة تعويضًا عما أتلفت في ثورتي. ولكن أن أصل إلى هنا.. أهذا رأيهم بي؟ وتمكن الشخص الواعي من إقناع الآخر بأن هذا تدبير موقت لن يطول. والتحم الشخصان من جديد بعد وصولهما إلى هذا الاتفاق، فقد كانت مقدرة الشخص الواعي على الإقناع مجدية إلى حد كبير في بداية الأزمات.. أما بعد تطورها فهذا موضع شك كبير.