العالمين) [1] ، وانتصرت كلمة الحق حين قالت هيتَ لك فقال الكريم بن الكريم بن الكريم: (معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون) [2] ، وانتصرت كلمة الحق حينما قال سليمان عليه السلام: (أتمدوننِ بمالٍ فما آتاني الله خيرٌ مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون) [3] ، وانتصر الحق أيضًا يوم أن قذف الله تعالى نور الإيمان في قلوب سحرة فرعون فإذا أنصار الباطل بالأمس شهداء الحق اليوم: (فأُلقي السحرة سُجَّدًا قالوا آمنا برب هارون وموسى) [4] ، ولعل الانتصار قد بلغ ذروته حين استخف المؤمنون الجدد بعذاب الدنيا لِما لاقوه من حلاوة الإيمان: (قالوا لن نُؤثِرَك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقضِ ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) [5] ، نعم هذه مواقف من الانتصار على النفس حيث قُهرت ومُنعت ولُجِمت عن التعدي على الدم المعصوم والفرج الحرام والمال غير المستَحَق والمنصب والجاه الفارغين، وإن سِجل هذه الأمة سجلٌ حافلٌ بالانتصارات، بل هو سلسلة متصلة من الانتصار سواءٌ أثمر غلبةً عسكرية أم لم يُثمر، وسواءٌ أحقق نصرًا ميدانيًا أم لم يحقق ...
وإن المتأمل في طبيعة النصر الذي قدمنا نماذج منه ليدرك أن حقيقة الأمر ومداره على التمسك بالحق مهما كان الثمن، والثقة بوعد الله مهما تأخرت الثمرة، ولهذا فإني أقول بكل ثقة إن مشهد النصر الحقيقي لم يكن في قوله تعالى: (فهزموهم بإذن الله وقتل داودُ جالوتَ وآتاه الله الملك والحكمة) [6] بقدر ما كان في قوله تعالى: (إن الله مبتليكم بنهرٍ فمن شرب منه فليس مني ومن لم يَطعمه فإنه مني إلا من اغترف غُرفةً بيده) [7] ، نعم هنا كانت معالم النصر لأقوام ومعالم الهزيمة لآخرين: (فشربوا منه إلا قليلًا منهم) [8] ، وهؤلاء القليل هم الذين تعوّل عليهم أمة الإسلام في كل زمان ومكان، أما عند الغلبة العسكرية والظهور والتمكين فما أكثر المسلمين حينذاك وما أكثر من يحبون الدين آنذاك، ولكن شتان بين من أحب الدينَ والدين غريب وبين من أحب الدينَ والدين تجبى إليه ثمرات كل شيء، وهذه هي حقيقة النصر ...
إن الجهاد في سبيل الله تعالى لتحقيق النصر بهذا المفهوم يحتاج إلى دراية بصناعة النصر، وتوطين للنفس على تحري أسباب بذل النفس في سبيل الله، وليست قصة ذلك الأعرابي المؤمن إلا تجسيدًا فرديًا فريدًا
(1) سورة المائدة - آية 28
(2) سورة يوسف - آية 23
(3) سورة النمل - آية 36
(4) سورة طه - آية 70
(5) سورة طه - آية 72
(6) سورة البقرة - آية 251
(7) سورة البقرة - آية 249
(8) سورة البقرة - آية 249