الثقافة الغربية فرضت نفسها على وطننا العربي ليس من باب نشر العلوم ومد العون للأخر, بل هي نوع من التسلط الثقافي, وفرضت لغتها من خلال ما تعرضه من تقنيات علمية, وحصرت اللغة العربية في مجال الفقه, والشعر, والأدب, وكأنها لا تصلح أن تكون لغة علم, وطب, وهندسة, لافتقارها في اعتقادهم إلى المصطلحات التقنية المعاصرة, والغريب أن من يشتغل بالاشتقاق والتوالد يؤمن بقصور العربية في مواكبة العصر والانفتاح, وطأطأة الرأس أمام الإبادة الثقافية, وقد أدرجت هذه الكلمة مجال الخطاب حوالي 1970 للدلالة على عملية مثاقفة مفروضة على ثقافة من لدن ثقافة أخرى أقوى (2) والإبادة الثقافية عادة ما تقوم بها الدول المسيطرة صناعيا أو الغازية أو المعولمة, وقد تجد لمصطلح الإبادة الثقافية ما يقابلها من مصطلح الثقافة الغالبة, التي أبادت الثقافة المغلوبة, ورجوعا إلى أول استعمال لهذا المصطلح سنة 1870 م بأمريكا خلال حربها مع الهنود الحمر (3) .
إن السيطرة الثقافية لها جذور في التاريخ, تعود إلى عصر الاسكندر الأكبر, فقد سعى إلى نشر الثقافة اليونانية في العالم, وهذا النوع من العولمة السابقة لا تزال جذورها تضرب بعمقها إلى يومنا هذا باسم العولمة الحديثة, قد تختلف في وسائلها وطرقها لكنها لا تختلف في جوهرها.
من واجبنا إن نستخرج الطاقات الثقافية المخزونة بل وتهذيبها أيضا, وعلينا أن نكون جديرين باستخراجها, وإلا ستبقى دفينة, ولن نستفيد منها, ونبقى في درك الانحطاط المعنوي والفكري, ونظل نستهلك الثقافة المعلبة, والتي تأتي من الغرب فنفتحها ونسخنها ونتناولها ونتقبل طعمها.