الصفحة 9 من 47

والثانية: بضمان معيشة آمنة في أرضه، كما قالت أم سلمة: «وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ» فقد عاش المسلمون في كنفه معززين مكرمين، آمنين على أنفسهم ودينهم حتى هاجروا إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بعد غزوة خيبر [1] .

والجدير بالذكر في هذا الحوار توفيق الْمُسْلِمِينَ في اختيار المحاور المناسب الذي يستطيع عرض قضية الإسلام بعزة، وإن كان في ذلك هلاكه.

فجعفر بن أبي طالب في الذؤابة من بني هاشم، والله تعالى قد اختار هاشمًا من كنانة، واختار نبيه من بني هاشم، فهم أفصح الناس لسانًا وأوسطهم نسبًا. وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلموهذا يجعل النجاشي أكثر اطمئنانًا، وثقة بما يعرض عن ابن عمه، وقد تجلى أثر حسن اختيار المحاور في رد جعفر على أسئلة النجاشي، وإبطال حجج المخالف الذي أراد الإضرار بهم واستجلاب غضب الملك عليهم فمثل بذلك قمة المهارة السياسية، والإعلامية والدعوية، والعقدية، فقام بالتالي:

* عدَّد عيوب الجاهلية، وعرضها بصورة تنفر السامع، وقصَدَ بذلك تشويه صورة قريش في عين الملك، وركز على الصفات الذميمة التي لا تنتزع إلا بنبوة.

* عرض شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا المجتمَعَ الآسن المليء بالرذائل، وكيف كان بعيدًا عن النقائص كلها، ومعروفًا بنسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فهو المؤهل للرسالة.

* أبرز جعفر محاسن الإسلام وأخلاقه التي تتفق مَعَ أخلاقيات دعوة الأنبياء، كنبذ عبادة الأوثان، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكون النجاشي وبطارقته موغلين في النصرانية فهم يدركون أن هذه رسالات الأنبياء، التي بعثوا بها من لدن موسى، وعيسى عليهما الصلاة والسلام.

* فضح ما فعلته قريش بهم؛ لأنهم رفضوا عبادة الأوثان، وآمنوا بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلموتخلقوا بخلقه.

* أحسن الثناء على النجاشي بما هو أهله، بأنه لا يُظلم عنده أحد، وأنه يقيم العدل في قومه.

* وأوضح أنهم اختاروه من دون الناس، فرارًا من ظلم هؤلاء الذين يريدون تعذيبهم؛ وبهذه الخطوات البينة الواضحة دحر بلاغة عمرو وفصاحته، واستأثر بلب النجاشي وعقله، وكذلك استأثر بلب وعقل البطارقة، والقسيسين الحاضرين.

* وعندما طلب الملك النجاشي شيئًا مما نزل على محمد صلى الله عليه وسلمجاء صدر سورة مريم في غاية الإحكام والروعة والتأثير، حتى بكى النجاشي، وأساقفته، وبللوا لحاهم ومصاحفهم من الدموع، واختيار جعفر (لسورة مريم، يظهر بوضوح حكمة وذكاء مندوب المهاجرين، - رسول رسول الله (والمبلغ عنه - فسورة مريم تتحدث عن مريم وعيسى عليهما السلام.

(1) حول إسلام النجاشي ودوره في الدعوة، انظر: د سامية عبد العزيز منيسي، إسلام نجاشي الحبشة ودوره في صدر الدعوة الْإِسْلَامِيَّة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت