وقد كان الْيَهُود يستفتحون على أهل يثرب بمبعثه (، مما كان سببا في مسارعتهم إلى الإيمان به (. وقد سارع إلى الإيمان به طائفة من مخلصي أَهْل الْكِتَابِ كالنجاشي، وعبد الله بن سلام، وغيرهم.
وقد أمر اللهُ نبيَهُ أنْ يُعْلِنَ هَذِهِ الحَقِيْقَةَ، ويجادلَ أَهْل الْكِتَابِ عليها فقالَ تَعَالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (( لأعراف:158) حيث يأمرُ اللهُ (نبيه (أن يُعْلِنَ للنَّاس جَمِيْعًا أنَّهُ رَسُولٌ مرسلٌ مِنْ قِبَلِ رَبِهِ إِلى النَّاسِ جَمِيْعًا، وأنَّهُم إنْ أَرَادُوا الهِدَيَةَ فَيَجِبُ عَلَيْهِم أنْ يُطِيْعُوهُ باتِبَاعِِِ أَمْرِه وتَصْدِيْقِ خَبَرِهِ.
وكان النَّبِيّ يدعو في كتبه إلى ملوك الأرض إلى هذه الحقيقة كما كتب إلى هرقل في صدر رسالته «مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فإنَّى أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ»
ولما دخل صلى الله عليه وسلم كما سبق على الْيَهُودي وهو ناشر التوراة قال له: «أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ هَلْ تَجِدُ فِي كِتَابِكَ ذَا صِفَتِي وَمَخْرَجِي» وفي حديث الفلتان بن عاصم قال لليهودي: «أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟» وقال له أيضًا: «فبم تقرأ التَّوْرَاةِ وَالإنجيل أتَجِدُنِي نبيا؟» . وعندما دخل إلى الْيَهُود دعاهم إلى الإيمان به وأعلنها لهم «فَوَاللَّهِ إِنِّي لأنَا الْحََاشِرُ، وَأَنَا الْعَاقِبُ، وَأَنَا النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى آمَنْتُمْ أَوْ كَذَّبْتُمْ» .
3 -النهي عن الغلو في الدين:
فقد أمر الله (نبيه (أنْ ينهى أَهْل الْكِتَابِ عن الغلو في دينهم، ومجاوزة الحد فيه باتباع أهواء نفوسهم. قال الله صلى الله عليه وسلم: (قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ( [المائدة:77] وهذا خطاب للنَصَارَى كما دلَّ عليه السياق، وكما في قوله تعالى: (يَا أَهْل الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ( [النساء:171] .
وقد دعا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم النَصَارَى إلى الإيمانِ باللهِ (، وعدمِ الغلو في دينهم، وأنكر عليهم ما نسبوه إلى عيسى (بغيًا وعدوانًا، وأنكرصلى الله عليه وسلم على عدي بن حاتم وضعه الصليب في رقبته، ومغالة النصارى في اتباع أحبارهم ورهبانهم، حتى أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال.