وفي رواية: أَنَّ الْيَهُودَ أَتَوْا النَّبِيَّ (فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكَ، قَالَ وَعَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ السَّامُ عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمْ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَهْلًا يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ، أَوْ الْفُحْشَ قَالَتْ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ [1] .
لم يكن لليهود وجودٌ يذكرُ في مكة حيثُ كانوا يستوطنون المدينةَ، ويتحزبون بها، ومن ثم لم يكن هناك حواراتٌ مباشرةٌ بين النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وبين الْيَهُود في العهد المكي، غير ما يذكره أهل السير من أن أهل مكة لما ذاع خبر النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وأعياهم أمره، وعجزوا عن شيء يقولونه فيه، أرسلوا إلى يهود المدينة لعلهم يهدونهم إلى شيء لم يهتدوا إليه، يبطلوا به دعوة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم.
أرسلت قريش النّضْرَ بْنُ الْحَارِثِ وعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ يسألانهم عَنْ مُحَمّدٍ صلى الله عليه وسلم وَقَالُوا لَهُمَا: سَلَاهُمْ عَنْ مُحَمّدٍ وَصِفَا لَهُمْ صِفَتَهُ، وَأَخْبِرَاهُمْ بِقَوْلِه، ِ فإنَّهُمْ أَهْل الْكِتَابِ الْأُوَلِ، وَعِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ عِلْمِ الأنبِيَاءِ، فَخَرَجَا حَتّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ، فَسَأَلَا أَحْبَارَ يَهُودَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَوَصَفَا لَهُمْ أَمْرَهُ، وَأَخْبَرَاهُمْ بِبَعْضِ قَوْلِهِ، وَقَالَا لَهُمْ إنّكُمْ أَهْلُ التّوْرَاةِ، وَقَدْ جِئْنَاكُمْ لِتُخْبِرُونَا عَنْ صَاحِبِنَا هَذَا. فَقَالَتْ لَهُمَا أَحْبَارُ يَهُودَ سَلُوهُ عَنْ ثَلَاثٍ نَأْمُرُكُمْ بِهِنّ فإن أَخْبَرَكُمْ بِهِنّ فَهُوَ نَبِيّ مُرْسَلٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرّجُلُ مُتَقَوّلٌ فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ. سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدّهْرِ الْأَوّلِ مَا كَانَ أَمْرُهُمْ، فإنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجَبٌ، وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوّافٍ قَدْ بَلَغَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا مَا كَانَ نَبَؤُهُ، وَسَلُوهُ عَنْ الرّوحِ مَا هِيَ؟ فَإِذَا أَخْبَرَكُمْ بِذَلِك فَاتّبِعُوهُ فإنَّهُ نَبِيّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ رَجُلٌ مُتَقَوّلٌ فَاصْنَعُوا فِي أَمْرِهِ مَا بَدَا لَكُمْ. [2]
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأدب، باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشًا (10/ 466 - 467) (ح6030) .
(2) يذكر المفسرون هذه الرواية في سبب نزول سورة الكهف وقد ذكرها ابن إسحاق في سيرته بدون سند وأسنده الطبري إلى ابن عباس وفي إسناده مجهول، فهي بهذا الحال ضعيفة السند إلا أنه توجد بعض القرائن التي ربما ترجح حدوث الواقعة التي تتحدث عنها هذه الرواية.
ومن هذه القرائن أن الآية التي تحدثت عن الروح والآيات التي تحدثت عن ذي القرنين بدأت بقوله تعالى ويسألونك فهي تنص على أن الآيات ما نزلت إلا بعد أسئلة سئلها رسول الله (ه وسلم، والمعلوم أن الذين وجهوا الأسئلة مباشرة هم كفار قريش، وهم لم يكن عندهم علم بثقافة أَهْل الْكِتَابِ إلا بما أخذوا منهم كما هو معروف من اللقاءات التي كانت تتم بين كفار قريش وأَهْل الْكِتَابِ خارج مكة في الأسفار والرحلات والتجارات. (تفسير سورة الكهف د. جمال مصطفى ص15، 16. وانظر ابن هشام: السيرة النبوية(1/ 300،-302) بدون إسناد، وانظر: تفسير القرآن للطبري: (15/ 143) و تفسير القرآن العظيم لابن كثير (5/ 136) ، ومن هذه القرائن أيضا ما أخرجه الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال قالت قريش ليهود أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل فقال سلوه عن الروح قال فسألوه عن الروح فأنزل الله تعالى (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الاسراء:85) قالوا أوتينا علما كثيرا أوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا فأنزلت (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (( الكهف:109) . (الألباني: صحيح سنن الترمذي(3/ 269 - 270) (ح 3140) .