ومن الأكيد أن بعض الآفات الجديدة، مثل قلة الثقة، والاحترام، وسقوط الهيبة، بين المواطنين أنفسهم وبينهم وبين بعض أجهزة السلطة، تعود بالدرجة الأولى إلى ما يحدث أحيانًا من غياب للمصداقية، والتطابق الفعلي، بين التشريع والتنفيذ.. بين التخطيط والتطبيق.. بين القول والعمل.. وبين مظاهر الأشياء، وشعاراتها البراقة مع بواطنها الغامضة المخلة.. وخاصة عندما يتعلق الأمر بما يمس مقدسات الشعب، أو أساسيات حياته، وأقواته، ومطامحه، وآماله المستقبلية..!؟
لقد عبئ الشعب وحمس خلف الخطابات السياسية فتجند وراءها، وأصغى إليها بكل إمعان وطموح.. ولكنه كان في الغالب ما يجد نفسه، يراوح مكانه دون تحول جذري يذكر.. ولم تكن هناك الفرص متاحة للمبادرات الخاصة لكي تنطلق، بينما كانت بعض المغامرات الجريئة، والمدعومة قد تجد طريقها نحو النجاح.. ولو بأساليب الاحتيالات والتمويه تحت غطاء الشرعية..!
وعندما يئس الشعب من جدوى الخطاب السياسي بكل أساليبه واتجاهاته الأديولوجية من اليسار إلى اليمين.. تحول بآذانه المتلهفة لسماع الجديد، واكتشاف آفاقه، وأصغى إلى الخطاب الديني.. الذي بشره بنعمة الحل، وخير الدنيا، والآخرة، والتخلص من كل المصاعب والآفات..! ولكن ها هي الدماء تسيل والأرواح البريئة تزهق، والجرائم تتقاطر.. والشعب يموت ببطء، والثقافة مازالت غائبة عن الميدان..!؟
وكأني أحس بهتاف كل مواطن في نفسه يصرخ من أعماق جروحه، ومن أغوار مصائبه ورعبه، ولسان حاله يردد: أين الخطاب الثقافي.. (لماذا -إلى حد الآن- لم تمنح له الفرصة لينطق.. ويستنطق العقل والوجدان والحس المرهف الجميل..!؟
إن مسالة الثقافة الوطنية العربية الإسلامية هي من بين أبرز الهواجس، المعبرة عن طبيعة الشعب، ونواياه الطيبة وهي لا تفتأ تحرك ذاكرته، وأحلامه.. وتؤجج انتظاره اليومي على أساس أنها هي الدعامة الصلبة لوحدته ووعيه وصيانة كيانه، وضمانة مستقبل الأجيال.