فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 19

مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا؟ لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي، وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا، فهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تُستعبد للمال ولا يطغيها الغنى، وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيزٌ أمام الجاه والمال، وأنَّ ما عند الله خيرٌ من أعراض الدنيا، وأنَّ فضل الله عظيم وهو يطمع في فضله وثوابه، وأن نقمة الله يوشك أن تصيب الغافلين المتبطرين.

فذُو المال يكون ممدوحًا إذا استعمله فيما يرضي الله عز وجل، وصان به دينَهُ وعِرْضَهُ، وليس في التباهي والتكاثر والتفاخر، قال بعض الحكماء: من أصلح ماله فقد صان الأكرمَيْن: الدِّين والعِرْض. وقيل في منثور الحكم: من استغنى كَرُمَ على أهله. وقيلَ لأبِي الزِّنَادِ: لِمَ تُحِبُّ الدَّرَاهِمَ وَهِيَ تُدْنِيكَ مِنَ الدُّنْيَا؟ قَالَ: «إِنَّها وَإِنْ أَدْنَتْنِي منها صَانَتْنِي عَنْهَا» .

وقال سعيد بن المسيب: «لا خَيرَ فِيمَنْ لا يُحِبُّ المالَ لِيَصِلَ بِهِ رَحِمَهُ، ويُؤَدِّي به أمانتَهُ، ويَستَغني به عن خَلْقِ رَبِّهِ» ، ولما حضره الموت ترك دنانيرًا وقال: «اللهُمَّ إِنَّكَ تَعلَمُ أنِّي لَمْ أَجمعها إلَّا لأصُونَ بها حَسَبِي ودِينِي» .

وقال سفيان الثوري مرةً لمن عاتبه في تقليب الدنانير: دعنا عنك فإنه لولا هذه لتمندلَ الناس بنا تمندلًا. وقال: المال في هذا الزمان سلاح المؤمن.

وقال سفيان بن عيينةَ: من كان له مال فليُصْلحه، فإنكم في زمانٍ من احتاج فيه إلى الناس، فإن أول ما يبذله دِينه.

وفي وصية لقمان لابنه: «يا بني استعن بالكسب على الفقر، فما افتقر رجل إلا أصابته ثلاث خصال: رقَّة في دينه، و ضعف في عقله، و ذهاب في مروءته، وأعظم من هذا استخفاف الناس به» .

وقال يحيى المسيحي:

نعمَ المعينُ على المروءةِ للفتى ... مالٌ يصونُ عن التبذلِ نفسَهُ

لا شيءَ أنفعُ للفتى من مالهِ ... يقضي حوائجَه ويجلبُ أنسَهُ

وإِذا رمتهُ يد الزمانِ بسهمهِ ... غدتِ الدراهمُ دون ذلكَ تِرْسَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت