فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 19

وقال آخر: إنَّ النفس إذا أحرزت قوتها ورزقها اطمأنت.

وكان يقال: لا تشاور صاحب حاجة يريد قضاءها ولا جائعًا.

قال العلم: نعم إنَّ حبِّ المالِ أمرٌ فطري جبلي، وهو مِنْ نِعَم الله العظيمة لا يلام المرء في حبِّه له، ولكنْ أنْ يُجعلَ هو الميزان لفضل الإنسان، ويُقَاسُ فضل الناس بما يملكون، ويكون هو الغاية التي يسعى الناس إليها وليس وسيلةً لفعل الخير، فهنا يكون الخلل ويأتي الزيغ والزلل ..

فالمال نعمة عظيمة ولكن مَنْ يعرف حقَّ هذه النعمة ويؤدي شكرها؟ لا ريب أنهم قليلٌ جدًا، فأين الأغنياء من قول القائل:

ملأتُ يدي من الدُّنيا مرارًا ... فما طَمِعَ العَواذِلُ في اقتصادي

ولا وجبَتْ عليّ زكاةُ مالٍ ... وهل تجبُ الزكاةُ على جوادِ

بذرتُ المالَ في أرض العطايا ... فأصبحَتِ المكارمُ من حصادي

ولو نلتُ الذي يهواه قلبي ... لوسَّعتُ المعاشَ على العبادِ

فإننا لا نرى أصحابَ الأموال إلا مشغولين بمتعهم ولذائذهم وترفهم، وينسون إخوانهم المحتاجين، بل قد يتكبرون ويطغون عليهم، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} ، والمصيبة الأعظم من ذلك أن لا يطغى على إخوانه فقط بل على ربِّه وخالقه جلَّ وعلا، فينسى أنَّ الله هو الذي أعطاه هذا المال ويقول: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} ، وينسى أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوةً وأكثر جمعًا، وانظر إلى صاحب الجنتين كيف أصابه الغرور فدخل جنته وهو ظالم لنفسه وقال: {ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا، وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً، وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا} لقد أنساه الغرورُ بماله أنَّ كلَّ نعيم في الدنيا فهو إلى زوال، واستبعد أنْ تقوم القيامة، وعلى فرض أنها قامت فإنَّ له خيرًا من جنته .. أرأيتَ ماذا يصنع المال بصاحبه؟

فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر، ولا جنة عنده ولا ثمر، فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى، معتز بعقيدته وإيمانه: قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت