وتأمل في سعادة هذا الزاهد الذي لا همَّ له إلا العلم والتعليم للناس الذي وصفه أحدهم بقوله:
قليلُ الهمِّ لا ولدٌ يموتُ ... ولا أمرٌ يحاذره يفوتُ
قضى وطر الصبا وأفاد علمًا ... فغايته التفرُّدُ والسكوتُ
قال المال: لكن لا يمكن لأحد أن ينكر فضلي وقيمتي، ومهما تكلَّموا وزهَّدوا الناسَ بي تبقى مكانتي عالية في نفوسهم، فهذا أبو سليمان الداراني يقول: «قد وجدتُ لكلِّ شيء حيلة إلا هذا الذهب والفضة، فإني لم أجد لإخراجه من القلب حيلة» .
وقال بعض السلف: «من ادَّعى بغض الدنيا، فهو عندي كذاب، إلا أن يثبت صدقه، فإذا ثبت صدقه فهو مجنون» .
وقال ابن الجوزي رحمه الله: «للنفس قوة بدنية عند وجود المال، وهو معدود عند الأطباء من الأدوية» .
قال العلم: حسبُكَ أنْ تنظر في القرآن متى رفعَ اللهُ من شأنك وأعلى من مكانتك؟ وانظر إلى العلم كم مدحه الله عزَّ وجل ورفع أهلَه إلى أعلى المراتب، حتى عطفهم على الملائكة وعلى ذاته المقدَّسة جلَّ وعلا حيث قال: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} ، فبدأ الله عز وجل بنفسه ثم بملائكته ثم بأهل العلم، وقد جعلهم الله شهداء على أعظم أمر وهو توحيده وألوهيته، وكفى بذلك شرفًا وفضلًا، وهذا يدل على عدالة أهل العلم وتزكيتهم فإنه لا يُستَشهد إلا العدول، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ) رواه البزار والبيهقي.
وجعل اللهُ تعالى العلمَ سببَ خشيته فقال سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ، وسببَ الإيمانِ بالقرآن والانتفاع به، فقال: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ: يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} ، وقال تعالى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًَا. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا. وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًَا} ، وقال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ