فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 19

قال العلم: أيُّ عزٍّ هذا وأيُّ فخر؟ ألم تعلم أنَّ كلَّ عزٍّ لم يُوطَّد بعلم فإلى ذلٍّ مصيرُه، وإلى زوالٍ عبيرُه، أما علمتَ ما حصل بقارون كان مالُه وبالًا عليه، حتى الذين تمنَّوا أنْ يكونوا مكانَه فرحوا أنْ لم يكونوا مثلَه، وشعروا بمنَّة الله عليهم في ذلك، وصدق القائل:

أرى الدنيا لمن هي في يديه ... عذابًا كلما كَثُرَتْ لديه

تُهين المُكرِمينَ لها بصُغرٍ ... وتُكرِمُ كلَّ مَنْ هانت عليه

إذا استغنيت عن شيءٍ فدعهُ ... وخذ ما أنت محتاجٌ إليه

وبيَّن أبو الفتح البستي ذلك أجلى بيان فقال:

وَيَا حَرِيصًا عَلَى الأَمْوَالِ تَجْمَعُهَا ... أنسِيتَ أَنَّ سُرُورَ المَالِ أَحْزَانُ

زَعِ الفُؤَادَ عَنِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ... فَصَفْوُهَا كَدَرٌ وَالْوَصْلُ هِجْرَانُ

وكان سقراط فقيرًا فقال له بعض الملوك: ما أفقرَك! فقال: «لو عرفتَ راحةَ الفقر لشغلك التوجُّع لنفسك عن التوجُّع لي» ، فالفقر ملك ليس عليه محاسبة.

وقيل له: لِمَ لا يُرى أثر الحزن عليك؟ فقال: «لأني لم أتخذ ما إنْ فقدتُه أحزنني» .

وقال بعض الحكماء: «من أحبَّ أن تقل مصائبه فليقل قُنيته للخارجات من يده» ، لأنَّ أسبابَ الهم فوتُ المطلوب وفقدُ المحبوب، ولا يسلم منهما إنسان، لأنَّ الثبات والدوام معدومان في عالم الكون والفساد، وأدرك ابن الرومي هذا فقال:

ومَنْ سرَّه أن لا يرى ما يسوؤه ... فلا يتخذ شيئًا يخاف له فقدا

وقال بعضهم:

(النار) آخر دينار نطقت به ... و (الهمُّ) آخر هذا الدرهم الجاري

والمرء بينهما ما لم يكن ورعًا ... معذَّب القلب بين الهمِّ والنارِ

وحكي أنه لما غرقت البصرة أخذ الناس يستغيثون، فخرج الحسن رضي الله عنه ومعه قصعة وعصا، وقال: نجا المخفون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت