فالأصل في علاقات الشعوب والأمم هو التعارف والتحاور كما قال الخالق سبحانه: (يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (10) .. ويستنتج الباحث من ذلك بطلان دعوى صامويل هانتنجتون - صاحب كتاب صدام الحضارات - إذ يرى أن التفاعل بين الإسلام والغرب صدام حضارات (11) .. وهذا الزعم عار من الصحة ؛ إذ التفاعل بين الإسلام وأي حضارة أخرى - لاسيما الغرب- قائم على الأخوة الإنسانية والشراكة المعرفية والثقافية .
من الصدام إلى الحوار
"لقد كانت قيادة الدنيا ، في وقت ما ، شرقية بحتة، ثم صارت بعد ظهور اليونان والرومان عربية، ثم نقلتها النبوات إلى الشرق مرة ثانية، ثم غفا الشرق غفوته الكبرى، ونهض الغرب نهضته الحديثة .. فورث الغرب القيادة العالمية ، وها هو الغرب يظلم ويجور، ويطغى ويحار ويتخبط ، فلم تبق إلا أن تمتد يد شرقية قوية" (12) ..
والحق أن تاريخ العلاقات بين الحضارتين الإسلامية والغربية عرفت فترات حوار وتفاعل ، وفترات صدام وتطاحن . والغزو الحديث للأمة الإسلامية جاء بالسيف والمحراث كما قال المرشال بيجو (13) ، أو بعبارة أخرى جاء بالمدافع والنهب الاقتصادي، ثم تلاه غزو فكري ، ارتكز على الثالوث المشهور: الاستعمار والتنصير والاستشراق ، لأن غزو العقل يضمن له تأييد تبعيتنا له ، حتى بعد انتهاء الاحتلال العسكري ، وهكذا نصبح ونحن نتبنى النموذج الغربي ، ونتخلى عن المرجعية الإسلامية ، في مشروعنا النهضوي في الحكم والإدارة والتشريع .. وهكذا ينطلق العرب بمبادرة حوار الحضارات على غير أسس وعلى غير مرجعية؛ إذ كيف ينادون بحوار بين الحضارات وقد انسلوا من هويتهم الأصلية ومرجعيتهم الأولى .. !؟