النَّسَقِ وَثَالِثُهَا: أَنَّ ذَا الْقُرْبَى مِسْكِينٌ، وَلَهُ صِفَةٌ زَائِدَةٌ تَخُصُّهُ لِأَنَّ شِدَّةَ الْحَاجَةِ فِيهِ تَغُمُّهُ وَتُؤْذِي قَلْبَهُ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ مُقَدَّمٌ عَلَى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْغَيْرِ، فَلِذَلِكَ بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذِي الْقُرْبَى، ثُمَّ بِالْيَتَامَى، وَأَخَّرَ الْمَسَاكِينَ لِأَنَّ الْغَمَّ الْحَاصِلَ بِسَبَبِ عَجْزِ الصِّغَارِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ أَشَدُّ مِنَ الْغَمِّ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ عَجْزِ الْكِبَارِ عَنْ تَحْصِيلِهِمَا فَأَمَّا ابْنُ السَّبِيلِ فَقَدْ يَكُونُ غَنِيًّا، وَقَدْ تَشْتَدُّ حَاجَتُهُ فِي الْوَقْتِ، وَالسَّائِلُ قَدْ يَكُونُ غَنِيًّا وَيُظْهِرُ شِدَّةَ الْحَاجَةِ وَأَخَّرَ الْمُكَاتِبَ لِأَنَّ إِزَالَةَ الرِّقِّ لَيْسَتْ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ الشَّدِيدَةِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بإيتاء الماء مَا رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَ ذِكْرِهِ لِلْإِبِلِ قَالَ: «إِنَّ فِيهَا حَقًّا» هُوَ إِطْرَاقُ فَحْلِهَا وَإِعَارَةُ ذَلُولِهَا، وَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى إِطْرَاقِ الْفَحْلِ أَمْرٌ لَا يَخْتَصُّ بِهِ ابْنُ السَّبِيلِ وَالسَّائِلُ وَالْمُكَاتِبُ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ إِيتَاءَ الْمَالِ إِلَى هَؤُلَاءِ كَانَ وَاجِبًا، ثُمَّ إِنَّهُ صَارَ مَنْسُوخًا بِالزَّكَاةِ، وَهَذَا/ أَيْضًا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى جَمَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بين هذا الإيتاء وبين الزكاة." [1] "
(1) - اللباب في علوم الكتاب (3/ 205) وتفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (5/ 216)