وقد يزعم المفسدون أن المدينة الأوروبية لا تتجزأ يجب أن تؤخذ كلها بخيرها وشرها أو تطرح كلها ، ولعمر الله ما بروا ولا نصحوا بل غشوا وكذبوا فإن الأوروبيين لم يأتهم هذا الفساد من قبل المدينة والعلم ، وإنما هي عادات كان عليها آباؤهم من زمان وثنيتهم ثم جاءتهم المسيحية فلم تستطع أن تؤدبهم وتصلح أحوالهم ، لأن الإنجيل خال من التشريع والآداب والأحكام وليس فيه إلا مواعظ وتزهيد مفرط في الدنيا ، والقسيسون الذين وضعوا الشرائع لم يعتنوا إلا بما يتعلق بالكنائس ، والأديرة والرهبان والراهبات ، والأعياد والعبادات على أنهم لو وضعوا شرائع وآدابًا لم تنفع لأنها لم تنزل من الله العزيز الحكيم ، ولا ينفع البشر إلا ما نزل من خالقهم وبلغهم بواسطة الرسل ، ومع ذلك نرى الأوروبيين طبقتين اثنتين طبقة الوزراء والملوك والأغنياء ، وطبقة الفقراء ومن يليهم من المتوسطين، فالطبقة الأولى لا تبالي بالعرض أصلًا والشاذ لا حكم له ، والطبقة الثانية ساخطة على الاختلاط المريب ، ولو كان الأمر إليها لمنعته .
كنت أسكن في ( بن ) وفي ذات يوم رجعت من الجامعة فسمعت بكاء وصياحًا وحركة غير معتادة فلما جاءتني صاحبة البيت بالطعام قلت لها ما الخبر ؟ فأخبرتني أن ابنتها وعمرها عشرون سنة وجدها أبوها قد ركبت سيارة مع شاب لا يعرفه فأوقفه وقال له: أين تذهب بابنتي ؟ فقالت له ابنته بالله عليك يا بابا اتركني معه فإنه شاب طيب وسيزورك ويعرفك بنفسه فلم يقبل منها ذلك وأخرجها من السيارة وجاء بها إلى البيت وضربها ، وذلك البكاء الذي سمعت هو بكاؤها ، ثم بعد ذلك ببضعة أشهر أخبرتني ابنتها أنها بلغت أباها أن بين أمها وبين شريك أبيها علاقة قبيحة وأن أباها غضب على أمها وقالت لي قد كلت لها صاع بصاع ، هذا يقع في البيوت المحافظة في أوروبا وهو الطامة الكبرى فأي مسلم يرضى أن يقع مثل هذا في بيته وفي أهله وفي عشيرته ؟ مع أن مثل هذا في أوروبا يعد رجعية .