تسمع الأغصان صوت أبيها النهر قادمًا من بعيد، تهتز، تتمايل، ترقص، تزغرد: لقد عدت إلينا في الوقت المناسب. يسمعهم، يحفر مجراه مسرعًا كالبرق، صاخبًا كالرعد، هائجًا كالمحيط، حزينًا حتى الثمالة، تستقبله الغابات بأشجارها، والطيور بتغريدها، والأزهار بأريجها، والأعشاب برقصاتها، ولكنه يندفع نحو الشجرة، لا يرى أمامه سواها ، يعانقها عناقًا لاهبًا، ينخلع قلبه لاصفرارها، تفتح عيونها، تراه، تدب الحياة فيها من جديد، تضع جذعها على ضفته، تشرب، ترتوي، تسيل دموع الفرح على أوراقها، ترشقه الأغصان بالزهور والقبلات، تضحك الشجرة، وفجأة ينبثق الغصن الجديد بيسر وسهولة، فتضحك الغابات ويدفق الفرح كمطر غزير، فرحت الشجرات، فرحت السروة في العلن، رقص النرجس في الساحات، فرحت الشجرات.
الرجال يبكون أيضًا
لا يكاد يصدق، لقد حدث كل شيء فجأة وبدون تمهيد، مكالمة هاتفية قصيرة تتأكد من اسم ابنه الذي يخدم حديثًا كجندي احتياط في بيروت، ثم يُطلب منه بعد ذلك عنوان منزله بالتفصيل، يحاول أن يستفهم عن أسباب هذه المكالمة، وعن الجهة التي تستوضح، ولكن خط الهاتف قُطع، عندها يدرك أن أمرًا خطيرًا قد وقع، وأن ابنه أحمد قد أصيب بمكروه. صحيح أنه لم يمضِ على ذهاب أحمد سوى بضعة أيام، ولكن المعارك طاحنة في بيروت والحصار حولها يشتد يومًا بعد يوم، لا يستطيع الجلوس، يود من أعماقه أن تكون أم أحمد إلى جانبه الآن، لكنها بعد يومين من مغادرة ابنها سافرت إلى بيت أهلها في دمشق، علها تهرب من مشاعر القلق والخوف التي انتابتها منذ مغادرة أحمد البيت، اصطحبت معها ابنتها وولدها الثاني وتركته وحيدًا. قالت له قبل سفرها ودموعها تغسل وجهها:
"إن قلبك من حجر، لا يهمك غياب أحمد ووجوده في بيروت المحاصرة، لم تذرف دمعة واحدة على فراقه، كأن كل شيء من حولك طبيعي وعادي". لم يجبها، كان يقدر ظروفها، وهي في كل الأحوال امرأة.