فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 75

يجيبه الصديق: ألن يعود النهر؟ إنه العلاج الوحيد في رأيي، فلقد كانت مغرمة به مفتونة بهواه، تشاركهما فراشة كانت بالقرب منهما وتقول: لا أحد يعلم متى يعود النهر، ولا أحد يعلم لماذا رحل. يسترعي انتباههم صوت خافت صادر عن أغصان الشجرة الحزينة، لقد كانت الأغصان تبكي بحرقة. تمر غيمة تعرف قصة الشجرة وترى دموع الأغصان فتسكب كل غيثها بكرم عفوي، تغسل دموع الأغصان وتروي ظمأ الأم للنهر الذي غاب فجأة. تنتشر الأخبار بين الأشجار عن حزن الشجرة حبيبة النهر المسافر، ويعلم الجميع أن مخاض الشجرة الجديد محفوف بالمخاطر، فالحزن العميق والكآبة المسيطرة وراء عسر المخاض. بكت الشجرات، بكت السروة في السر، بكى النرجس في الساحات، بكت الشجرات. جرت الأمطار ساقية، ولكن الشجرة الحزينة كانت تعلم أن الساقية ليست النهر، وأن النهر المسافر لم يعد بعد. كان فيما مضى ينساب وسط الحقول الخضر هدارًا بحب الحياة، يمنح العطاء للجميع بلا ثمن، ويبحث عن حبيبة، كانت الشجرة آنذاك شجيرة صغيرة تضج حيوية، ويمور في جذعها الفتي شوق طاغٍ لحب يروي ظمأ شبابها ويناعة صباها، وحينما رأته أحبته، أحبها، تعانقا طويلًا، تعاهدا على الحياة معًا، كانت سعيدة به وكان سعيدًا بها، خلف لها أغصانًا قوية تحميها هوج العواصف وزمهرير الشتاء.

الطيور المهاجرة بحثًا عن الدفء والحب تراه في بلاد بعيدة، ترى النهر ينساب صامتًا في أرض قفراء، تحوم حول ضفافه تسأله عن سبب هجرته، يبكي بصمت وغزارة، تتحول مياهه الباردة إلى مياه دافئة، تخبره عن مخاض شجرته العسير، يُصعق، يهدر، يزمجر، ينوح، تبكي الطيور والزهور البرية وآلاف الشجيرات التي نمت على ضفافه من جديد، لا بد من العودة، يقولها بصوت واضح، يجتمع الكل لوداعه، يحول مجراه ويسرع عائدًا إلى بلاده وينشد في طريق العودة بصوت شجي دافئ:

من أجلك أعود

ومن أجل أغصانكِ

أعبر القفار والسدود، فمتى ألقاكِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت