فهذا التوسل الأول هو أصل الدين وهذا لا ينكره أحد من المسلمين.
وأما التوسل بدعائه وشفاعته ـ كما قال عمر ـ فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس، فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس عُلِمَ أن ما يُفعل في حياته قد تعذر بموته، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة فإنه مشروع دائمًا.
والخلاصة: أن لفظ التوسل يراد به ثلاثة معان:
أحدها: التوسل بطاعته؛ فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به.
والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته؛ وهذا كان في حياته ويكون يوم القيامة حيث يتوسل الناس بشفاعته.
والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته فهذا هو الذي لم يكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عمن ليس قوله حجة. انتهى المراد [1] . فما أجمل كلامه وما أحسنه ففيه شفاء للعليل من علله. أسأل الله تعالى أن يهدي ضال المسلمين.
الجواب على الشبهة الثانية:
وهي قوله تعالى: [وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا] [2] .
هذه الآية احتج بها المبتدعون على جواز بدعتهم في طلب الاستغفار من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، فتراهم يأتون إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون يا رسول الله استغفر لنا أو ادعوا الله أن يغفر لنا ونحو ذلك، بل زعموا أن هذه الآية باقية في الحكم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد مماته، بل جعلوها من قبيل الناسخ والمنسوخ، أي لم يأت ناسخ لها فينسخها، وهذا جهل مركب بنصوص الكتاب العظيم.
(1) التوسل والوسيلة، ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام 1/199-202).
(2) سورة النساء: 64.