واستمرت هذه الصورة إلى الوقت القريب وكان لها نفس الأثر السلبي على البلد بكامله."فلبنان هو ضحية اللعبة السياسية القذرة للمعسكرين الشرقي والغربي. كل المنظمات الفاعلة على الساحة اللبنانية ارتبطت بإحدى الدول العربية، أو بإحدى القوى الخارجية، وكل هذه المجموعات والمنظمات تورطت بشكل عميق وكثيف في لبنان، وكافة التطورات التي جرت فيه". (1)
وكانت الطائفة الشيعية التي يمثلها"حزب الله"سياسيًا وعسكريًا ـ موضوع حديثنا ـ من تلك الطوائف التي أرادت ـ أو بالأصح أريد منها ـ أن تحقق الحلم بتكوين دولة تقوم على تبني المذهب الجعفري الاثني عشري منهجًا ونظامًا؛ فلبنان أريد به أن يكون: إما دولة نصرانية عربية بميول غربية وسط تجمع مسلم ضخم، وإما دولة شيعية عربية بميول فارسية وسط تجمع سني ضخم كذلك.
والدولة الأولى: النصرانية لعل لها حديثًا آخر، أما المراد الآخر فلا بد من الوقوف فيه أولًا على بعض المرتكزات؛ حتى تتضح الصورة من بداياتها وصولًا إلى منتهاها.
لبنان وإيران.. قصة العلاقة
تعد العلاقة بين لبنان وإيران علاقة متميزة على اختلاف مراحلها الزمنية، ووقفت إيران ـ غالبًا ـ مواقف حُمدت لها في لبنان، وكان وراء هذه العلاقة قصة يحسن أن نقف عليها لإدراك أبعادها.
حين استولى الصفويون على حكم إيران، في مطلع القرن السادس عشر، وجعلوا من التشيع الإمامي دين الدولة والأمة، وحصنوا إيران به بإزاء الفتح العثماني"التركي السني"كان التشيع يذوي ويتلاشى، سواء في مدارس النجف أو في مدارس خراسان، فعمد الشاه إسماعيل إلى استقدام علماء من جبل عامل ـ جنوب لبنان ـ لتدريس الفقه الإمامي، فكان منهم: (بهاء الدين العاملي محمد بن الحسين بن عبد الصمد، 953 هـ - 1031 هـ ) الذي أصبح شيخ الإسلام في أصفهان في عهد الشاه عباس الكبير، والمعروف بالمحقق الكركي (علي بن الحسين بن عبد العالي العاملي، ت 940 هـ ـ 1533 م) الذي قَدِم النجف ثم رحل إلى بلاد العجم لترويج المذهب، والسلطان حينئذ الشاه إسماعيل الصفوي الذي مكنه من إقامة الدين وترويج الأحكام، وكان يُرغِّب عامة الناس في تعلم شرائع الدين ومراسم الإسلام، ويحثهم على ذلك بطريق الالتزام، وكان أن جعل في كل بلدة وقرية إمامًا يصلي بالناس ويعلمهم شرائع الدين، وبالغ في ترويج مذهب الإمامية؛ بحيث لقبه بعضهم بمخترع مذهب الشيعة. (2)
ومنطقة جبل عامل (أو عاملة) في قلب جنوب لبنان كانت أهم مرجعية شيعية في العالم بين القرنين الميلاديين الرابع عشر والسادس عشر، ومع بداية هذا التعاون مع الدولة الصفوية أُبيد الآلاف من السُنّة من العامة والعلماء؛ ففي تبريز ـ العاصمة ـ وحدها كان السُنّة فيها لا يقلون عن 65 % من السكان، وقد قتل منهم في يوم واحد 40 ألف سني!! كما أُجبر الألوف على التحول القسري إلى مذهب الإمامية. (3)
كما كانت هناك مؤامرات عديدة وتعاون مع قوى غربية على إسقاط الدولة العثمانية، وهي من الأمور غير الخافية عبر التاريخ. (4)
"وقد استهوت التجربة الصفوية الشيعية"المضطهدين"في العراق وجبل عامل ـ جنوب لبنان ـ والبحرين، وذهب العلماء بالخصوص ليدعموا تأسيس الدولة الشيعية الصفوية الوليدة". (5)
ونستطيع أن نتجاوز حقبة زمنية بعيدة حتى نصل إلى صورة قريبة تبين تلك العلاقة الحميمة والوطيدة التي يحاول نفر من الناس فصلها وتزييف الواقع ووقائعه.
(1) أمل والشيعة، نضال من أجل كيان لبنان، أ.ر. نورثون، ترجمة: غسان الحاج عبد الله، دار بلال، الطبعة الأولى، 1408هـ ـ 1988م/ 139.
(2) انظر: أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي، ص 378 ـ 385، دار الجديد، بيروت، ط/1/1998م، وتاريخ جبل عامل، محمد جابر آل صفا، دار 1النهار، بيروت، ومحمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان، دار التيار الجديد، ط/10/1409، ص 182 ـ 183، وانظر: تجربة الإسلام السياسي، أوليفيه روا، ترجمة نصير مروة، ص: 162، دار الساقي، ط/2/1996م.
(3) انظر: تاريخ الصفويين وحضارتهم، بديع جمعة ـ أحمد الخولي، ص 55، دار ار الرائد العربي، وأحمد الكاتب، مصدر سابق، ص 378، و عبد الله الغريب، وجاء دور المجوس، ط/6/1408هـ.
(4) انظر: محمد العبدة، مئة مشروع لتقسيم الدولة العثمانية، ص 77، 125، وانظر: د. وجيه كوثراني، المسألة الثقافية في لبنان، الخطاب السياسي والتاريخ، ص 83 ـ 88، منشورات بحسون الثقافية/ط/1/1404هـ.
(5) أحمد الكاتب، مصدر سابق، ص 379.