فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 78

وكانت الترتيبات سبيلًا لمحاباة الأقارب، ومقاومة الإصلاح، والمناورة والتلاعب من قِبَلِ قوى خارجية أي أن هذه الأوضاع كانت تولد بنفسها الخصوم والأعداء في لبنان الذي تصل فيه الحرية للجميع إلى حد التسيب؛ حيث تطبع أكثر من خمسين صحيفة يومية من بين عدد آخر لا يحصى من الدوريات، وراحت تنمو وتزدهر مجموعات ضغط صاخبة الأصوات من خارج البرلمان، وتستورد إلى البلد مختلف التيارات والمشاجرات السياسية السائدة في العالم العربي الفسيح، وأخذ الشيوعيون، والاشتراكيون، والبعثيون، والناصريون، والقوميون السوريون، والأجنحة والفئات والتكتلات المتفرعة منهم أو المنشقة عنهم، يشنون الحملات بعضهم ضد بعض وضد الجهاز السياسي الذي لم تمتد إليه يد الإصلاح في لبنان. إن مثل هذا المجتمع المجزأ قد جعل نفسه عرضة للاختراق والتلاعب والمناورات على يد وكلاء وعملاء من البلدان المحيطة به ومما هو أبعد منها. وفي هذا"المركز"للعالم العربي، حيث تتم المتاجرة والتبادل بالأموال، والأفكار والعقائد والسياسات، اشتد الصراع على النفوذ بين (إسرائيل) وجيرانها، بين سوريا وخصومها العرب، العراق ومصر، وبين بريطانيا وفرنسا، وبين فرنسا والولايات المتحدة، وبين الاتحاد السوفييتي والغرب، مما أدى إلى اضطراب المشهد السياسي المحلي وتعكيره. (1)

ويصف أحد أبرز الرموز الشيعية في لبنان، وهو محمد حسين فضل الله الواقع اللبناني فيقول:"إن الموقف اللبناني بالغ التعقيد، والموقف السياسي في لبنان أكثر صعوبة من الموقف السياسي في أي بلد آخر، وذلك بسبب هذه التعددية الواسعة الموجودة بداخله، ويخلق هذا الموقف حواجز نفسية متعددة في لبنان إلى جانب حواجز طائفية. إن كل طائفة في لبنان تتصرف كأنها دولة مستقلة لها وجودها ومصالحها الخاصة بها، ولهذا فإن من الصعب أن يكون هناك تبادل حر للأفكار بين أفراد الطوائف المختلفة، ومن شأن هذا أن يؤدي إلى تجميد لبنان، وسيستمر لبنان في الانهيار طالما أن لدينا نظامًا طائفيًا". (2)

ولقد كانت الدول الغربية والجهات التي تقف خلف هذا التمزق ترمي بخلق هذا الواقع المرير في لبنان إلى أهداف أخرى أشد مرارة وأكثر خبثًا، لكي تحقق أهدافها التي تريدها."إن لبنان يُعد لكي يكون الحفرة التي يساق إليها العرب جميعًا برجالهم أو أموالهم أو بخلافاتهم، إنها الحفرة التي يراد منها أن ينسى العرب ما قبلها، فالإنسان لا ينسى كارثة إلا بكارثة تتلوها يراد بها أن تكون دمارًا يضحى فيها بلبنان، ولكن أيضًا لكي ينسى العرب فلسطين". (3)

هذا الواقع المأزوم والمَرَضِي مثَّل مرتعًا خصبًا لأحلام كل طائفة في السيطرة ـ وفي لبنان خصوصًا ـ لا تمثل قوة الطائفة إلا بمددها الخارجي وتبعيتها الدينية والسياسية والمالية. ولعل ذكر صورة لأثر التدخل الخارجي في الشأن اللبناني يوضح بعضًا من تعقيد هذا الواقع وهو ما أدى إلى أحداث الفتنة المشهورة في لبنان بين 1858م ـ 1860م.

"فما أن جاءت أواخر 1857م حتى أصبحت الحالة في لبنان في منتهى التعقيد، فقد جرّ طغيان مشايخ الدروز ووكلائهم في المناطق الجنوبية خلاف الدروز والنصارى إلى هاوية الأزمة."

وهنا أيّد البريطانيون الدروز، فيما أيّد الفرنسيون النصارى، أمّا في المناطق الشمالية، فلم تكن الحالة أقل سوءًا؛ إذ وقف الفلاحون والإكليروس الماروني، يؤيدهم الفرنسيون والنمساويون وجهًا لوجه أمام الأسر الإقطاعية، تشد أزرها بريطانيا.

وفي الوقت نفسه دعم الفرنسيون القائمقام بشير أحمد أبي اللمع وأنصاره من الحزب الأحمدي، فيما انتصر البريطانيون للعسّافيّين. أما العثمانيون، فسعوا إلى توسيع شقة الخلاف في قائمقامية النصارى، وهكذا أصبحت القضية اللبنانية من التشابك بحيث لم تقع حادثة في لبنان إلا كان لها صدى في عواصم أوروبا، وخصوصًا لندن وباريس، و في ذلك قال أحد زعماء اللبنانيين آنذاك: لقد أصبحت أمورنا في هذه الأيام تابعة لإنجلترا وفرنسا، وإنه إذا ضرب أحدهم رفيقه تصير المسألة إنجليزية فرنسوية، وربما قامت إنجلترا وفرنسا من أجل فنجان قهوة يهرق على الأرض". (4) "

(1) انظر: باتريك سيل، الأسد؛ صراع على الشرق الأوسط، 440 ـ 442، دار الساقي، اقي، لندن، الطبعة الثانية.

(2) محمد حسين فضل الله، قراءة في فكر زعيم ديني لبناني، حلقات: الإسلام والكونجرس الأمريكي، الحلقة/ 37، د. أحمد إبراهيم خضر، مجلة المجتمع، العدد: 954، ص 4.

(3) أحمد بهاء الدين، لبنان في حرب دولة لا تنتظر نصائح الملوك والرؤساء، جريدة الأهرام، 30/6/1978م.

(4) تاريخ لبنان الحديث/ 114

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت