فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 78

إن الخوض في الأزمة اللبنانية أو حتى التاريخ اللبناني عمومًا، هو خوض في مستنقع كبير قد لا يخرج الإنسان منه بشيء إلا تعب الخوض وعلامات الاستفهام الكثيرة، وقد يصيبه من طين المستنقع ومائه الآسن، فيخرج بأفكار وتصورات مركبة.

هذا هو ما أريد لأي مطَّلع على الشأن اللبناني أن يخرج به، وهكذا أريد لهذا البلد الصغير أن يظل لفترة طويلة وقريبة مكانًا مناسبًا للمنافسة وتصفية الحسابات وتحقيق المصالح.

ولا شك أن الوضع اللبناني بالغ التعقيد، إلا أنه قابل للفهم لمن أتى الأمور من أبوابها، ولعلنا نعرض موجزًا سريعًا ومجملًا لصور ذلك التعقيد.

لن نذهب في التاريخ بعيدًا، وإنما سنذكر صورة منه، فقد قامت الدولة اللبنانية على ركيزة أساسية هي"الطائفية"، وولد الاستقلال والميثاق في أحضانها، وورث الاستقلال نهجًا يجسد التفسخ الوطني في إطار علاقات سياسية تعمل على إبقاء هذا الأمر واستمراريته. هذا النهج السياسي وقف عائقًا أمام تطوير الواقع الطائفي ومحاولة تجاوزه، وحمل الاستقلال معه كل أمراض التخلف والتعصب والتفرقة؛ لأن أبطاله لم يعملوا على استئصال الرواسب وإقامة الوطن على قاعدة الانتماء إليه؛ بل اكتفوا بوحدتهم الفوقية وتركوا التشتت الطائفي في القاعدة؛ فقام لبنان على قاعدة تعدد الطوائف المتعايشة على أرض واحدة تقتسم المغانم فيما بينها. إن الاستقلال والدستور قد قاما على ركيزتين أساسيتين هما: تجميع الطوائف وتجميع المناطق؛ وشتان ما بين التجميع والانصهار. لقد استبدلت الوحدة الوطنية (1) ـ كما هو الحال في الدول الأخرى ـ بوحدة الطوائف المتعايشة، ورعت دولة الاستقلال المؤسسات الطائفية لتوسع نشاطاتها ولتزيد من انقسام المواطنين.

ففي الحقل التربوي بقي لكل طائفة مؤسساتها التربوية لتلقن المواطنين ثقافات مختلفة، وعلى الصعيد التنظيمي السياسي صار لبعض الطوائف مجالس مِلّية تحولت إلى مؤسسات سياسية تسهم في السلطة بدرجة أو بأخرى. وعلى الصعيد السكاني بقيت المدن الكبرى ذات طابَع طائفي؛ وعلى الرغم من احتوائها على اختلاط سكاني من مختلف الطوائف إلا أنها تمتعت بغالبية سكانية من طائفة معينة، أو تضمنت أحياء سكانية لكل طائفة، أو لكل مذهب حي يجمع أبناء المذهب نفسه، وهذا الأمر قد سهَّل فيما بعد الانقسام الجغرافي؛ حيث هجَّرت كلُّ منطقة الأقليات الموجودة فيها من الطوائف الأخرى؛ مما جعل السلطة عبارة عن حكم بين مختلف الأطراف"الطوائف"لا سلطة دولة بيدها المبادرة والقرار الذي تستطيع فرضه على الجميع.

في لبنان ازدواجية سلطوية: قامت سلطة الدولة وتساكنت جنبًا إلى جنب مع سلطة الطائفة، وكثيرًا ما أذعنت سلطة الدولة إلى سلطة الطائفة البارعة في توظيف التمايزات الدينية لأغراض سياسية. والطائفة هنا تلعب دور الحزب السياسي المُدافِع عن مصالح الأفراد، وتحل مشكلة انتماء الفرد طالما أنه لا توجد أطر أخرى أكثر فعالية لتنظيم حياته وضمان توازنه المادي والنفسي، وهكذا يندفع الفرد إلى أحضان الطائفة؛ فالتخلي عنها ضياع لآلية التضامن الأسري والعائلي إذ لم يسنده ظهور مؤسسات تضامن جماعي نقابي ومدني أعلى، كما يعني العزلة للأفراد، ويعني الاغتراب النفسي والاجتماعي كذلك.

لقد عجزت الدولة اللبنانية عن بناء الإطار الفكري والسياسي والإداري والاقتصادي الذي يوحد الشعب ويبني إجماعًا؛ إنها لم تمتلك رسالة اجتماعية تسمح لها بأن تكون دولة الشعب لا دولة الجماعات. وبدلًا من أن ترتفع ـ باعتبارها مؤسسة سياسية وسلطة ـ فوق التمايزات والتناقضات، انخرطت هي نفسها بفعل طبيعة بنيتها وتركيبتها العصبية في التناقضات التي أخذت تمزقها، أو بالأحرى تبرز تمزقها الداخلي المستور بأيديولوجيا الوفاق والتعايش.

لقد اعترفت الدولة القانونية في لبنان بتعدد القوى السياسية، ومنحتها حق التنافس الحر حتى بلغ حد الفوضى المسلحة؛ فالتدريب والتسلح غير المشروع، وقيادة الجيوش غير النظامية، وتخريج دفعات من الميليشيات اللبنانية كان يتم في احتفالات علنية تنقلها الصحف اليومية تحت سمع الدولة وبصرها. كان نشوب الحرب بتلك الضراوة والشراسة، وقدرتها على الاستمرار لأعوام طويلة ما كان يمكنها لولا وجود ميليشيات قد أنشئت أصلًا؛ لأن لها دورًا يُنتظر أن تلعبه.

(1) من المسلَّم به أن الوحدة الوطنية وغيرها من الشعارات والرايات التي ملأت العالم الإسلامي ضجيجًا، لم تفلح ـ ولن تفلح ـ في حل قضايا الأمة، لعدم انطلاقها من المنهج الإسلامي القويم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت