فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 78

الثالث: تلك الأنفة التاريخية التي ترسخت لدى الكثيرين من عدم القبول بالنقد والتحليل، وخاصة للحركات التي تتبنى العمل المسلح؛حيث يرون أن الذين يضحون بأرواحهم ودمائهم هم أرفع الناس عن النقد وأبعدهم منه، فكان ذلك المفهوم عائقا نفسيا في أن يجد الحديث مسلكا سلسلا يتجاوز به حتى نصل إلى مسائل الاتفاق.

وبرغم ذلك فسيبقى أن من الضرورة التي سبق أن نبه إلى مثلها علماء الأمة أن ترصد الحركات الفكرية والعقدية والسياسية والعسكرية التي تعمل في جسد الأمة، معملة فيها معاولها البانية والهادمة، ليميز الله الخبيث من الطيب:

{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 71] .

ولا أظن أن أمة من الأمم كان فيها مثل هذا السجل الضخم من تراجم الرجال وسيرهم، ولا عرض لمنهج الفرق والملل، مثل أمة الإسلام.

ولا أزعم الإلمام بكافة جوانب القضية، بيد أنها محاولة لرسم صورة تقريبية عن (حزب الله ) في لبنان، والحركة السياسية الشيعية فيها.

وبداية لا بد من التنبيه إلى عدد من النقاط الهامة قبل الخوض في تفاصيل هذه الدراسة:

أولا: هذه دراسة نقدية للحركة السياسية الشيعية المعاصرة في لبنان، وعلى رغم ذلك فإن العدل يلزمنا أن نذكر محاسن هذه الحركة كما نذكر مساوئها، وهذا أمر مقرر شرعا، والآيات والأحاديث شاهدة عليه، ولكن عندما نورد هذه المحاسن فهي ليست من باب (التلميع) كما قد يظن ذلك وإنما للوقوف على طريقة العمل ومواطن النجاح وسبله للاستفادة والاعتبار.

ثانيا: مع أن حزب الله ينتمي إلى فرقة الشيعة الإثني عشرية إلا أن هذه الدراسة لن تعنى بعرض تفاصيل هذه الفرقة ونقدها لأني أعتقد أن مناقشة المنهج العقدي لها ليس هذا محلها، حيث إن ذلك مبسوط في كتب السلف والخلف، وأحسب أن فيها الغنية والكفاية.

ثالثا: واقع أهل السنة في لبنان _ من حيث الجملة _ واقع غير مرض، وهو بحاجة إلى الوقوف عليه لإدراك تطوراته وتحولاته، وتاريخه غير واضح المعالم، ومع هذه الأهمية للحديث عن واقع أهل السنة في لبنان، إلا أن دراستنا هذه لم تتعرض لتفاصيله، ولا لمداخلاته مع الطوائف الأخرى لأن ذلك سيجرنا إلى الخروج عن أصل هذه الدراسة.

كما أننا لن نتطرق إلى الحديث عن العلاقة التاريخية بين أهل السنة والشيعة وتفاصيل تلك العلاقة، حيث إنه مبسوط في كتب أخرى كثيرة. (1)

وحزب الله في لبنان جزء من قصة طويلة وصراع مرير، والحديث عنه وعن حقيقته وأهدافه أمر ضروري في وقت بدأ فيه تحول كبير في دور الحزب، بعد أن تحقق جزء كبير من أهدافه التي ر سمت له، خاصة بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، وفي الوقت ذاته حظيت المقاومة بدعم عربي لم يسبق له مثيل، بيد أن المسألة متشعبة شديدة التعقيد فرضتها عوامل شتى؛ لذا كان من المهم استعراض حقائق الأمور وتفاصيلها.

الفصل الأول: أصول وجذور

لبنان.. أي أرض.. أي دولة؟

يصف أحد المؤرخين اللبنانيين الواقع اللبناني فيقول:"إن الشعب اللبناني لم يكن في الماضي أمة واعية لكيانها، وموحدة في أهدافها، وإنما كان مجموعة من الطوائف جمع بينها حلف هو أقرب ما يكون إلى العقد الاجتماعي. وتاريخ لبنان ـ منذ القرن الثامن عشر ـ هو في المقام الأول، تاريخ تطور هذا العقد الاجتماعي وأثره في نمو البلاد". (2)

وعندما زار الجنرال ديجول لبنان بعد الحرب العالمية الثانية، قال:"إني جئت إلى الشرق المعقد بأفكار ساذجة". (3)

"فلبنان بلد صعب المراس مولع بالعنف، من المستحيل فهم الشرق الأوسط قبل فهم لبنان". (4)

"لبنان أرض سائبة يتقاتل عليها وفيها الآخرون، إنه بلد موبوء بمختلف الفيروسات الاجتماعية التي لا يرجى منها شفاء". (5)

"الوطن الأعجوبة الذي اسمه لبنان، مارس فيه المقاتلون كل أنواع العنف اللا أخلاقي والوحشية المفترسة والتعصب الطائفي والهمجية القبلية، وتشريع أبوابه على مصراعيها لكل أجنبي يتوسله ويستخدمه لا لحماية استقلاله وكيانه، بل لحماية طوائفه والحفاظ على مكاسبها، وربط ما تبقى من استقلاله في عجلة هذه أو تلك الدولة الأجنبية، ومن المؤسف أن سمعة لبنان منذ أن صار له اسم على الخريطة السياسية هي سمعة الارتماء في أحضان الحماية". (6)

(1) تعرضتُ لتاريخ هذه العلاقة في كتاب: ويل للعرب.. مغزى التقارب الإيراني مع الغرب والعرب، الناشر، مكتب الطيب، عام 1420هـ.

(2) كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، ص 28، دار النهار، بيروت، الطبعة السابعة، 1991م.

(3) حرب الألف عام في لبنان، جوناثان راندال، ص 10، ترجمة: فندي الشعار، دار المروج، 1984م.

(4) المصدر السابق، ص 6.

(5) المصدر السابق، ص 10.

(6) رياض نجيب الريس، المسيحيون والعروبة، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، ص 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت