وقد عد الفقهاء كل ما يَشْغَل فكر القاضي عن التأمل والتدبر والنظر مثل الغضب في حكم النهي، ابتغاء الوصول إلى العدل والقسط في الحكم.
قال النووي: ويلتحق بالغضب كل حال يخرج الحاكم فيها عن سداد النظر، واستقامة الحال: كالشبع المفرِط، والجوع المقلِق، والهم والفرح البالغ، ومدافعة الحدث، وتقلب القلب بأمر، ونحو ذلك (2) .
قضاء القاضي في حال الغضب _ أي: ونحوه _ ونفاذه:
لا خلاف بين أهل العلم أنه لا ينبغي للقاضي أن يقضي في حال تشوش واضطراب لسبب من الأسباب المتقدمة، ولكنهم اختلفوا في حكم قضائه وهو كذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن قضاءه وهو كذلك مكروه _ ما لم تكن المسألة واضحة أو مذكورة بالنص فيجوز _ والقضاء نافذ إن وافق الحق والصواب، وبهذا قال الحنفية ـــــــــــــــــــ
(1) رواه البخاري في الأحكام (باب: هل يقضي القاضي وهو غضبان برقم 6739) ومسلم في الأقضية (باب: كراهة قضاء القاضي وهو غضبان برقم 4465) .
(2) شرح مسلم للنووي 12/ 14، وينظر أيضًا: فتح الباري 13/ 147.
ـ40ـ
والشافعية، وبعض المالكية، وبعض الحنابلة (1) .
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
1_ أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي - في شراج الحَرّة، التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرّح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند النبي -، فقال رسول الله - للزبير: (( اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك ) )فغضب الأنصاري، فقال: أن كان ابنَ عمتك؟ فتلون وجه رسول الله -، ثم قال: (( اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر ) ) (2) .