الثالثة: وإن نحن ادعينا أن ما يُذهَبُ إليه من هذا التفريق إنما هو من حرص على الإبقاء على صيغة المنهج الدعوي صالحة صحيحة، صوابًا، لا يقبل بهذا النَّقض، ولا النقص، ولا الاختلاف عليه، فإنَّ مما أوجب الله على أهل هذا المنهج المبارك، أن يزيدوا من حرصهم على زيادة الإيمان، وذلك بالإعراض عن أسباب الفرقة والاختلاف، التي ضربت طنُبها في بني إسرائيل. وأعظم ما يستجلب التفرق والاختلاف بأسبابه وآثاره من (الكفر، والزندقة، والنفاق) ، ما كان يكون لأحدٍ من الفريقين المتنازعين أن يصف به الآخر، أو أن يجوس خلال قلبه ليظهر للناس منه، ما لا يعلمه إلا الله وحده، بخلافه عليه فيما ذهب إليه، وهويه بحق يراه فيه في أية مسألة من المسائل، إلا أن يكون أمرًا ظاهرًا جليًا لا تخفى منه خافيةٌ بكفر أو بظلم أو بعدوان، وحتى هذا لو أنه سكت عنه، وأمسك عليه لسانه لكان خيرًا له، لأنه أسلمُ عاقبةً، وأهدى سبيلًا، ولكن أنى وكيف وقد أوتى بعضهم بصيرة أشد ثقوبًا من أشعة إكس، أو الليزر فصار يعرف ما في الصدور!! ليحكم بالغيب على هذا أو ذاك بالخبث، وسوء الطوية، والنفاق، وغيرها من الأوصاف.
الرابعة: وما علمت من قبلَ من واحدٍ من الفريقين -قامت عليه حجة الآخر، فأباها، وردّها، وصَدَفَ عنها، أم قبلها، وصدّقها، وسلَّم بها- تاركًا لها أو فاعلًا بأمرٍ أو بنهي، لا يُنْهزُه إلى كفر، أو زندقةٍ، أو نفاق - نازع الآخر في خصومةٍ به، فأولجه مولج التُّهمة بكفرٍ أو بغيره، وهذا أدبٌ ما أحسنه وأفضله لو عدنا إليه أو ذكرناه في نفوسنا.
فإن كان ذلك كذلك، وهو كذلك، فإن هذا النزاع يبقى نزاعًا نظريًا في ذاته، بصرف النظر عن النتيجة الناشئة عنه، فلِمَ إذا يُحْرَص على أسوأ الأثر، من خصومة كادرة، وفرقة هادرة، وشرَّةٍ بائرة؟ وهل مثل هذا الأثر من العلم؟ أو هل العلم منه؟!. وحتى لو ادعينا أننا ندغرُ في حلق البدعة، ونشرَخ رأسَ الجهل، ونقيمُ ميزان القسط والعدل!.