وهنا أُذكر وأُنبِّه إلى مسألةٍ طالما ذكرتها من قبل وهي:"أن الله سبحانه كلَّف عباده بأوامر ونواهٍ، أوامر يأْتون منها ما استطاعوا، ونواهيَ يقفون عندها لا يتجاوزونها، وفي هذا يقول عليه السلام:"إذا أمرتكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاتركوه"، فالمأْمورات يؤْتى منها المستطاع، والمنهيَّاتُ تترك كلُّها، وكلُّها -المباح منها والمحظور- دائر بين الحلال وبين الحرام، بين تحقيق المصلحة وبين تحقيق المفسدة، فيثابُ على المصلحة، ويعاقب على المفسدة، يزيدُ الإيمانُ بالأولى {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} ومثلها: {لِيَزْدَادُواْ إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} ، وينقص الإيمان بالثانية، {فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} ، وكلُّ عملٍ يُفْعل أو يُتركُ، فهو بين هذين، فلماذا التَّذرُّعُ بمثل هذا التفريق بين شرطي الكمال والصحة من هذه الأعمال، وقد صارت الأعمالُ المكفِّرةُ معلومةً، ما بين فعلٍ لها وبين تركٍ، وليس لكل أحدٍ الحق في الحكم بهذه الأعمال على آتيها أو تاركها بالكفر، فذا موكول إلى من هو أهل لذلك من العلماء الراسخين في العلم، ومن تجرأ على التكفير من غيرهم فيجب أن يؤدَّب تأديبًا زاجرًا يقمع طلعته، ويعرَّفه قدْره، ويلزمه رتبته."