أبو ذر الغفاريّ
برزت مشكلة الفقر منذ فجر الإسلام فاتجهت إليها الأذهان في عهد الصحابة والتابعين، وقد قيّض لها في عهد عثمان رجل من أجلّ الصحابة وأوثقهم صلة بالرسول الكريم، وهو أبو ذر الغفاري.
والواقع أن المال قد تدفّق في عهد الفتوح الإسلامية التي بدأت في عهد أبي بكر، ثم استمرت في خلافة عمر وعثمان، بل سال سبيله الذي لا ينقطع على المدينة ومكة ... وغيرهما من أمصار الإسلام.
وهنا نشأت الظاهرة الاجتماعية المعروفة، وهي انقسام المجتمع طبقتين: طبقة الفقراء، وطبقة الأغنياء -بل أصحاب الملايين- ويظهر أن الفقر الذي كانت تعانيه بعض الطبقات في هذه الحقبة كان شديدًا قاسيًا، أثار القلوب الرحيمة، ودفع عددًا من طبقات المفكرين إلى البحث عن حلٍّ له، ولكن أكثر هؤلاء المفكرين اكتفى بإبداء رأيه، دون أن يحاول إنشاء حركة عامة لإصلاح الموقف، أما أبو ذرّ الغفاريّ -الذي اشتهر بشجاعته منذ اللحظة الأولى لاعتناقه الإسلام- فإن فكرته قد تحولت إلى دعوة وجّهها إلى الأغنياء، وانضم تحت لوائها جمهور الفقراء.
والنقطة الأساسية في الموقف هي مدى حق الفقراء في أموال الأغنياء، والرأي العام في ذلك الحين كان قد استولى عليه اعتقاد خاص، وهو: أن واجب الأغنياء نحو الفقراء ينحصر في الزكاة المقدّرة شرعًا ولا شيء عليهم بعد ذلك.
أما أبو ذرّ الغفاريّ، وعدد آخر من كبار الصحابة -منهم علي بن أبي طالب نفسه وعبدالله بن عمر- فكانوا يعتقدون أن الزكاة ليست كل الواجب، ولكنهم يختلفون في تحديد المقدار الذي يجب بعد أداء الزكاة.
فعليٌّ يرى أن للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفل لهم حياة خالية من الجوع والحرمان، أما أبو ذر فيظهر أنه كان يذهب أبعد من هذا ويرى إنفاق الفضل كله.
ومهما يكن من شيء: فقد كانت المسألة التي دار حولها البحث هي: هل الزكاة كل الواجب أم أن هناك واجب آخر وراء الزكاة؟ وكان أبو ذرٍّ بطل هذا الموقف.
قام أبو ذر بدعوته في الشام في عهد عثمان، وكان واليها في ذلك الحين هو: معاوية بن أبي سفيان فأخذ ينادي في كل مكان: (( يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء ) )وقد أثارت دعوته إليه الاهتمام العام وانضم إليه فيها الفقراء، والذي يبدو من كلام المؤرّخين أن الفقراء في ذلك الحين تَمَلّكهم الشعور بأن المواساة من حقهم فأوجبوها على الأغنياء وطالبوهم بها.
وهنا أحس معاوية بخطورة الموقف وحاول أن يقضي على هذه الحركة الاشتراكية، فلم يستطع، فكتب إلى عثمان، فأمره بإرسال أبي ذرٍّ إلى المدينة، فأرسله إليه، وهناك في مجلس جامع ناظره عثمان، وقد دار البحث حول ما ينادي به أبو ذر، وهو أن للفقراء على الأغنياء حقًّا سوى الزكاة، وكان الرأي الذي انتهت إليه المناقشة أنه ليس للفقراء من حق في أموال الأغنياء، أما أبو ذر فأصر على موقفه، وهنا نفاه عثمان إلى بلدة"الربذة"فأقام بها حتى مات.
وبهذا انتهت أول حركة اشتراكية إسلامية.