ولم يلبث النور الإسلامي المشرق أن سطع على الدنيا، فقد اقتبست الولايات المتحدة من إنجلترا قانون الفقراء المذكور فأصبح قانونًا للبلاد تنفّذه الولايات المختلفة، وتستطيع أن تدرك أثر هذا القانون في حياة تلك البلاد إذا عرفنا أن ولاية واحدة من ولاياتها الكثيرة وهي ولاية بنسلفانيا حصلت باسم هذا القانون في سنة 1925 أكثر من 1.000.000 دولار أمريكي، وزعتها على الفقراء والمساكين من أهلها.
وهكذا نرى الزكاة الإسلامية وقد أصبحت نموذجًا يحاكية التشريع الغربي، فيدخل التطور الاشتراكي في العالم الغربي تحت تأثير الشريعة الإسلامية، وينتقل الناس هناك من مبدأ الإحسان إلى مبدأ الضريبة اقتداء بما حدث لدينا.
وبهذا خطا العالم خطوة جديدة هامة في الاعتراف بحقوق الفقراء ووضع الشرائع الضرورية لتحقيها.
والحق أنّ فكرة الزكاة الإسلامية لم تكن شريعة للمسلمين فحسب، ولكنها كانت إيذانًا بتطوُّر عامٍّ ينتقل فيه الناس في فهم حقوق الفقراء نقله جديدة كبيرة، فقد انهار بسببها الإيمان القديم بقدرة مبدأ الإحسان على مكافحة الفقر، وبَزَغَتْ شمس الفكرة الحديثة التي تقرر أنه: لا بُدَّ من الاعتماد على الضريبة لتحقيق هذا الغرض، فكان هذا كسبًا كبيرًا لقضية الفقراء، وخطوة واسعة في سبيل تحقيق العدل الاجتماعيّ.
والحق أن فكرة الضريبة -كعلاج للفقر- (وهي الفكرة التي تضمنها الزكاة) - قد استطاعت -فيما بعد- أن تأخذ ألوانًا شَتَّى وصورًا جديدة تمكّنها من أداء مهمتها على خير الوجوه وأفضلها، فلم يلبث المفكرون الاجتماعيون والمشرعون الاشتراكيون -في الغرب- أن طوّروا هذه الضريبة، فظهرت بسبب ذلك فكرة ضريبة الدخل بمعناها الواسع السخيّ، وقدرتها الكبيرة التي لا تحدّ على القضاء على الشرور الاجتماعية المختلفة التي تنبثق من أصل واحد وهو جرثومة الفقر المخيفة.
لم تكن الزكاة -إذن- مجرّد شريعة خاصة لأمة خاصة، ولكنها كانت تطورًا للأوضاع الاجتماعية التي تتصل بالفقر والفقراء، ولم يلبث هذا التطور أن تخطّى حدود البيئة التي ظهر فيها فأصبح تطورًا إنسانيًّا عامًّا نحو أوضاع اشتراكية حديثة.