أما الأمر الأول فهو: درجة الإلزام؛ فإن الناس لم يشعروا إزاء الإحسان بأنه يتمتع بدرجة عالية من الإلزام، فقد عرف الناس -منذ القدم- أن الإلزام الخلقيّ وغير الخلقي تتفاوت درجاته ولم يحدث أن رفعوا الإحسان إلى درجة عالية في سلم الإلزام.
ويجب أن يضاف إلى هذا أن: الإحسان يخلو من الشروط الضرورية لتدخُّل الدولة، فالدولة يمكن أن تجبي ضريبة محدودة المقادير مبينة الشروط، ولكنها لا تستطيع أن تجبي الإحسان؛ لأنه خالٍ من هذه المقومات فليس هناك تحديد لمقاديره ولا بيانٌ واضحٌ دقيق لمن يجب عليه الإحسان ومتى يجب.
بقي الإحسانُ إذن واجبًا وفقد ما قد كان يتمتع به من قوة لو أنه وصل إلى مرتبة الحق وعينت مقاديره فتمكنت الدولة من جبايته وتوزيعه، وقد كان هذا الوضع من أسباب عجزه وفشله؛ فقد أصبح الأمر كله موكولًا إلى الأغنياء متروكًا لمدى شعورهم بواجبهم إزاء الفقراء والمعوزين، وهو شعور يغالبه الحبّ الطبيعي للمال والنفور من بذله وإنفاقه، فكانت النتيجة أن انصرف الناس عن الإحسان تدريجيًا، وسقط الفقير في هوّة سحيقة من البؤس والعوز، دون أن يجد له من نظام المجتمع عونًا أو كافلًا.
وإجمال القول: أن الإحسان مبدأ ضعيف في ذاته عاجز عن أن يعالج مشكلة الفقر علاجًا شافيًا؛ فهو -من ناحية- لم يحدّد المبلغ المطلوب بما يتناسب وحاجة الفقراء في المجتمع، ومن الناحية الأخرى لم يتمتع بدرجة عالية من الإلزام تكفل دوامة وانتظامه، ومن ثم كانت حصيلته ضئيلة وغير مستقرة.
وزاد الطين بلّة: أنه واجب فرديٌّ متروك لإدارة الفرد ومشيئته، وليس للدولة أن تتدخل في جبايته من الشعب، وإنفاقه على الفقراء والمساكين، فلم يكن ما يكفل أداؤه منظمًا؛ ولهذا لم يلبث أن دبَّ إليه دبيب الضعف والاضمحلال في المجتمعات الإنسانية.
التطور الإسلامي، أو الزكاة:
أظهرت تجارب الإنسانية في اعتمادها على الإحسان كوسيلة لمكافحة الفقر أن هذه الوسيلة غير فعالة، وأن هذا العجز يرجع إلى نقص في كيان هذا الأسلوب العلاجيّ، وأنه لا بُدَّ للنجاح في هذه المهمّة الاجتماعية الكبرى من تلاقي كل ضروب النقص فيه.
لا بد من ضريبة تفرضها الدولة وتوجبها، ولا يجوز الاكتفاء بتقرير واجب دينيٍّ يُترك للفرد وحده أمر القيام به وأدائه، فيصبح عُرضةً للترك والإهمال، ولا بُدَّ من تحديد الأموال المطلوبة؛ حتى تستطيع الدولةُ أن تقوم بالجباية على أساسٍ واضح، ولا بُدَّ أن تكون الحصيلة كبيرةً؛ حتى يمكن الاعتماد عليها في تخفيف ويلات الفقر وشروره.
لا بُدَّ لنا -بالإجمال- أن نتجاوز مرحلة الواجبات الفردية غير الدقيقة إلى مرحلة النُّظُم العامّة، التي تدخل في اختصاص الدولة وحدود سلطتها، وقد قام الإسلام -لأول مرة في تاريخ البشرية- بهذا التطوُّر الاجتماعي العظيم.
والحق: أن فريضة الزكاة التي فرضها الإسلام قد حققت هذه الأهداف جميعًا، فضمنت للفقير من مال الغنيّ موردًا كافيًا مضمونًا.