فخاصية الشدّة في صوت (الدال) مثلًا، وخاصّية التحرك والترجيع والتكرار في صوت (الراء) ، وخاصيّة الانبثاق والنفاذ والصميمية في صوت (النون) ، وخاصيّة الاهتزاز والاضطراب والتشويه في صوت (الهاء) ، وخاصية الصلابة والصقّل والصفاء في صوت (الصاد) ، وما إلى ذلك من خصائص أصوات الحروف، لا يستطيع القارئ أن يعيها ، ولا أنْ يعيَ العلاقة بينها وبين معاني الألفاظ التي تشارك في تراكيبها، إلاّ بعد تأمل هادئ عميق ومعاناة طويلة.
ولعلّ بعضًا من دكاترة اللغة العربية من خريجي المعاهد الغربية قد استعظموا على الإنسان العربي، الضارب في مجاهل الأرض والتاريخ أن يبلغ ذلك المستوى الثقافي الرفيع في صناعة الأصوات للتعبير عن معانيه بهذه الطريقة الأسطورية ، خلافًا لما هو واقع الحال في اللغات الغربية الراقية وما استقر عليه آراء علمائها.
فلقد أنكر محمد المبارك خريج معهد السربون في باريس على الحرف العربي خصائصه الإيحائية بضعة عشر عامًا أمضاها في تدريس اللغة العربية والتأليف فيها، قبل أن يعترف بذلك صراحة كما جاء في كتابه ( خصائص العربية(ص260-263) .
على أن أصحاب المدرسة اللغوية القديمة القائلين بفطرية اللغة العربية، وما يستتبع ذلك من أنّ أصوات الحروف في اللفظة العربية توحي بمعناها، لم يدعموا رأيهم هذا بالبراهين الإحصائية القاطعة على وجود علاقة إيحائية بين أصوات الحروف العربية ومختلف الأحاسيس والمشاعر الإنسانية.